المليونير وصل البيت
المليونير كان فاكر إن أمه بتدبل بسبب السن، لحد ما وصل البيت من غير ميعاد وشاف مراته بتحط إيه في الشوربة..!
أحمد مأزعقش. ولا حتى ساب شنطة الشغل الجلد اللي في إيده. أول ما دخل المطبخ المتزين بأفخم أنواع السيراميك، اتسمر مكانه.
ابتسامة صغيرة، ملوية، وباردة بشكل يرعب كانت مرسومة على وش "شيرين" مراته. كانت بتتصرف وكأن المشهد اللي أحمد شافه ده مش بداية كابوس، لكن مجرد "لخبطة" بسيطة في شغل البيت.
قالت بصوت ناعم يخلي الدم يتلج في العروق: "جيت بدري يا حبيبي."
أحمد مردش. نَفَسه بقى قصير وتقيل. عينيه كانت رايحة جاية بين "القطارة" الصغيرة اللي في إيد مراته، وبين طبق الشوربة اللي بيطلع بخار على الرخامة الجرانيت، وبين أمه.. الست "كريمة" اللي كانت قاعدة على رأس السفرة، وشها أبيض زي الورقة، وعينيها داخلة لجوا، وجلدها بقى شفاف.
وعلى بعد خطوات، كانت "رضوى"، الشغالة اللي بقالها 15 سنة معاهم، واقفة ومحشورة جنب الحوض، مش قادرة ترفع عينها، وبتبكي في سكات وهي بترتعش وكأنها كاتمة صرخة استغاثة بقالها سنين.
الست كريمة حاولت تنطق كلمة، بس مأقدرتش. مخرجش منها غير أنين ضعيف، وحطت إيدها اللي بترعش على بطنها بوجع. أحمد قرب خطوة وهو كازز على سنانه:
"كنتي بتحطي إيه في الأكل؟" صوته كان مرعب. أحمد مكنش راجل عنيف، بس النبرة دي كانت معناها إن فيه حاجة في روحه اتكسرت للأبد.
شيرين بصت للقطارة وهي بتمثل البراءة: "دي مجرد فيتامينات يا حبيبي.. مكملات أعشاب. مامتك مابقتش تاكل خالص اليومين دول، ودكتور المسنين قال لازم نديها نقط تفتح شهيتها وتهدي القلق عندها. إنت عارف الكبار في السن، بيحبوا يهولوا الأمور."
فجأة، رضوى رفعت راسها وعينيها كانت مليانة غضب ودموع وصرخت: "والله العظيم كدابة! كدابة يا أستاذ أحمد!"
شيرين لفت وشها للشغالة بنظرة كلها كبر وتعالي وقالت ببرود: "انتي تسكتي خالص يا جربوعة انتي."
رضوى ردت وهي بتقرب وبتحمي بجسمها كرسي الست كريمة: "مش هسكت! خلاص مابقتش قادرة.. يا أستاذ أحمد، الست دي بتموت أمك!"
أحمد بص لرضوى وكأنه بيشوفها لأول مرة: "رضوى.. اتكلمي. قولي لي إيه اللي بيحصل؟"
شيرين حاولت تتمسكن وتقرب من جوزها: "إنت هتصدق خدامة حاقدة وتكدب مراتك يا أحمد؟"
أحمد زعق بصوت هز الحيطان وهو بيتجاهل مراته تماماً: "قلت اتكلمي يا رضوى!"
كلام الشغالة نزل زي السيل. حكت عن ازاي شيرين بتخبي القطارات دي في شنطتها الـ "براند". حكت عن طعم المرارة الكيماوي اللي في العصير والشوربة اللي شيرين بتصمم تأكلها للست كريمة لوحدها. حكت عن فقدان الذاكرة، والمغص اللي بيقطع في بطن الست، والنوم الغريب اللي بتقع فيه بعد الأكل مباشرة.
كل كلمة كانت مسمار في نعش جواز أحمد. كل ذكرى لأمه وهي بتشتكي له وهو بيطنشها، كانت قلم على وشه.
سأل وصوته مخنوق: "بقاله قد إيه الموضوع ده؟"
رضوى ردت وهي بتشهق: "أسابيع يا بيه.. يمكن دخلنا في 4 شهور."
أحمد غمض عينه. افتكر كلام أمه: "يا بني الأكل طعمه زي الدوا".. "يا بني شيرين مش عاوزاني هنا". وهو كان رده دايماً: "يا ست الكل شيرين بتحبك وبتخاف عليكي". القرف اللي حس بيه من نفسه في اللحظة دي ملوش وصف.
نزل على ركبه جنب أمه ولمس قورتها، كانت غرقانة عرق بارد. بصت له بنظرة استسلام مكسورة وهمست: "قلت لك يا ابني.. قلت لك إن الشيطان عايش معانا في البيت ده."
شيرين ضحكت ضحكة ناشفة مفيهاش أي رحمة وقالت: "أوه، بلاش تمثيل بقى.. أنا بس إديتها اللي كانت بتطلبه بقالها شهور!"
نفس أحمد وقف.. ورضوى كتمت صرختها. مكنش حد مصدق الجبروت اللي شيرين هتقوله..
أحمد قام وقف، وعروقه كانت بارزة في رقبته من كتر الغضب، وبص لشيرين وقال: "إيه اللي كانت بتطلبه يا شيرين؟ أمي كانت بتطلب منك تموتيها بالبطيء؟"
شيرين ردت ببرود مرعب، وهي بتعدل شعرها قدام مراية المطبخ:
— "كانت بتطلب (الاهتمام).. مش إنت دايماً مشغول في صفقاتك؟ أهو أنا كنت مهتمة بيها وبصحتها. القطارة دي فيها مادة بتخليها (هادية).. عشان م توجعش دماغنا بطلباتها، وعشان تفضل نايمة طول ما إنت بره البيت، وعشان لما تموت.. الكل يقول (ده السن)."
الضربة القاضية من "رضوى"
رضوى جريت على أوضة الشغالات وطلعت "مذكرات صغيرة" وكيس فيه ازايز فاضية، ورمتهم قدام أحمد:
— "يا أستاذ أحمد.. أنا كنت بسجل كل يوم كانت بتديها فيه النقط دي، وكنت بخبي الازايز الفاضية من وراها عشان اللحظة دي. والنهاردة الصبح، أنا سمعتها وهي بتكلم حد في التليفون وبتقوله (الوصية جهزت، والست كريمة م فاضل لهاش أيام)!"
أحمد بص لشيرين بذهول: "وصية؟ أمي م كتبتليش وصية.. إنتي عملتي إيه؟"
المواجهة القانونية
شيرين ضحكت بمنتهى البجاجة: "الست كريمة مضت على (تنازل) بكل أملاكها ليا أنا.. بمناسبة عيد ميلادي اللي إنت نسيته. مضت وهي مغيبة، وهي مش فاهمة هي بتمضي على إيه، والشهود كانوا أصحابي اللي إنت بتكرههم."
في اللحظة دي، أحمد طلع موبايله وكلم "الإسعاف" و"البوليس" في مكالمة واحدة. وبص لشيرين وقال بصوت زي الرعد:
— "أنا كنت شاكك فيكي من أسبوع لما شفتك بتمضي أمي على ورق، وبعتّ (كاميرا صغيرة) ركبتها في النجفة اللي فوق السفرة دي.. والكاميرا دي صورتك النهاردة وأنتي بتحطي المادة، وصورتك وإنتي بتمضيها بالزور."
النهاية
شيرين وشها بقى أزرق، وحاولت تهرب، بس "رضوى" قفلت باب المطبخ بجسمها وهي بتبكي. البوليس وصل، وأخد شيرين بالكلبشات وهي بتصرخ وتسب في الكل. والست كريمة اتنقلت للمستشفى فوراً، والدكاترة قدروا يعملوا لها "غسيل معدة" وينقذوا حياتها في آخر لحظة.
أحمد قعد تحت رجلين أمه في المستشفى وهو بيبكي وبيطلب السماح. وأول ما الست كريمة فاقت، بصت له وقالت: "أنا مسمحاك يا بني.. بس ابوس إيدك، م تدخلش (غريب) بيتك وتأمنه على روحك قبل ما تعرف أصله."
أحمد طلق شيرين "طلقة بائنة"، ودخلت السجن بتهمة الشروع في قتل وتزوير أوراق رسمية. أما "رضوى" الشغالة الأمينة، فأحمد كافأها بمبلغ ضخم واشترى لها شقة تعيش فيها ملك، وخلاها تفضل مع أمه كأنها بنتها مش شغالتها.
العبرة: م تستهونش بشكوى كبار السن، وم تخدعكش "المظاهر" والوشوش الناعمة.. اللي يطمع في مالك، م هيترددش لحظة يخلص من "أهلك" عشان يوصل له.