بنتي طلبت مني

لمحة نيوز

بنتي طلبت مني أراعي حماتها اللي في غيبوبة عشان تسافر.. حماتها فتحت عينيها وقالت لي: "اطلبي البوليس حالاً قبل ما بنتك ترجع"!
أنا اسمي "مدام هدى"، عندي 59 سنة، وطول عمري كنت فاكرة إني عشت كل الصدمات اللي ممكن ست تعيشها؛ الوحدة، وموت جوزي، وفقرنا، وخوفي وأنا بربي بنتي لوحدي. بس كنت غلطانة.. الوجع الحقيقي مكنش من الفقر ولا الموت، الوجع جالي من "كلمة" اتقالت على سرير مستشفى.
كل حاجة بدأت في نوفمبر اللي فات، لما بنتي "عبير" جاتلي شقتي في "مصر الجديدة" وهي شايلة شنطة هدوم وعينيها وارمة من العياط. كنت بعمل قهوة وبجهز فطار لما سمعت الجرس بيرن بـ استعجال. فتحت لقيتها بتترعش.
— "ماما.. محتاجة منك خدمة كبيرة أوي، الدنيا بتتهد فوق دماغي."
أخدتها في حضني من غير ما أسأل. عبير كانت دايماً فخري في الدنيا؛ محامية شاطرة، ذكية، وقوية. متجوزة من 4 سنين من "شريف"، مهندس محترم وابن ناس، والابن الوحيد لـ "مدام عفاف"، أرملة غنية عندها فيلا في "المعادي" وشقق في "الزمالك".
قعدنا في المطبخ، وعبير حكت لي إن "مدام عفاف" وقعت من على السلم من 6 أسابيع ودخلت في غيبوبة، والدكاترة مش عارفين هتفوق ولا لأ. وقالت لي إنها هي وشريف جالهم عقد عمل "لقطة" في دبي ولازم يسافروا حالاً يخلصوا أوراق، والممرضة اللي كانت بتمولها استقالت.. ومحتاجين حد يقعد مع الست في المستشفى أسبوعين.
وافقت فوراً.. كنت حاسة إن واجبي أسند بنتي في محنتها.
رحت المستشفى، والريحة كانت تخنق. الست كانت مرمية زي الجثة، متوصلة بـ أجهزة ووشها أصفر زي الكركم. عبير أدتني مواعيد الدوا وأرقام الدكاترة، وشريف شكرني بـ نبرة صوت "رسمية" زيادة عن اللزوم. لما شفتهم وهما رايحين المطار، قلت لنفسي "يا عيني عليهم.. الهم كسرهم".
يا ربي.. قد إيه الأم بتبقى "عميا" لما تكون عاوزه تصدق بنتها!
تاني يوم الصبح، وأنا قاعدة بسبح وبصلي جنب الست، سمعت "أنين". رفعت عيني لقيت صوابعها بتتحرك، وجفونها بتترعش.. وبالراحة أوي، فتحت عينيها.
قلبي كان هيقع من الفرحة، وكنت لسه هنادي الممرضة، بس "مدام عفاف" مسكت إيدي بـ لهفة غريبة، وقالت بصوت مشروخ ومرعوب:
— "اطلبي البوليس.. اطلبيه بسرعة قبل ما يرجعوا يخلصوا عليا."
اتسمرت مكاني: — "بتقولي إيه يا حبيبتي؟ قبل ما يرجع مين؟"
عينيها كان فيها رعب عمري ما هنساه: — "هما اللي عملوا فيا كدة.. شريف وبنتك عبير."
قلت يمكن بتهلوس من الغيبوبة، بس هي ضغطت على إيدي بـ قوة مكنتش أتخيلها:
— "أنا موقعتش يا هدى.. هما حطوا لي حاجة في الشاي خلت راسي تلف، وبعدين زقوني من فوق السلم. كانوا عاوزين الفيلا وعقود الإيجار.. عبير هي اللي خططت لكل حاجة، وشريف نفذ. لو عرفوا إني فُقت، أنتي اللي عليكي الدور لأنك الشاهدة الوحيدة!"
الليلة دي مأغمضليش جفن. والسر اللي المحامي كشفه بعد كدة، إن بنتي عبير كانت أصلاً "موقوفة عن العمل" ومرفوع عليها قضايا اختلاس، وشريف كان مديون لـ طوب الأرض.. والتمثيلية دي كلها كانت عشان يقتلوا الست ويورثوها، والبوليس قبض عليهم في المطار وهما راجعين "بالمصادفة" عشان يخلصوا على الست وعليا أنا كمان بعد ما عبير كتبت لي "تنازل" عن شقتي من غير ما أعرف! 

مدام عفاف كانت بتوشوش بـ كلام يخلي الدم يتجمد، قالت لي: "يا هدى، عبير مأخدتكيش هنا عشان تراعينا، دي أخدت توكيل عام منك وانتي مش دريانة، ومضتك على ورق بيع شقتك وانتي بتمضي أوراق المستشفى! هما سافروا بس عشان يهربوا من الشبهة لما (الأجهزة) تقف فجأة وأنا أموت في غيبوبتي!"

في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات "كعب" عالي في طرقة المستشفى.. خطوات عارفاها كويس. دي خطوات عبير! مكنتش في دبي، دي كانت مستخبية ومستنية اللحظة الحاسمة.

المواجهة "المسمومة"

الباب اتفتح ببطء، ودخلت عبير وشريف ووشهم عليه ابتسامة "باردة" تخوف. عبير بصت لي وقالت ببرود: "ها يا ماما؟ الست لسه بتنازع؟ الأجهزة بدأت تصفر أهي.. اطلعي اشربي قهوة وأنا وشريف هنفضل جنبها."

أنا كنت بترعش، بس مسكت نفسي وبصيت في عينيها وقلت لها بصرامة مكنتش تتخيلها:

— "عفاف فاقت يا عبير.. وحكت لي عن الشاي والسلم، وعن التوكيل اللي سرقتيه مني. إنتي مش بنتي، إنتي شيطان لبس وش بنتي."

شريف وشه بقى أصفر وحاول يقفل الباب علينا، بس في اللحظة دي، الستارة اللي جنب سرير عفاف اتفتحت.. وخرج منها 3 ظباط مباحث كانوا زارعين "أجهزة تسجيل" بعد ما بلغتهم في سكات عن طريق ممرضة أمينة.

السقوط المدوي

الظابط بص لعبير وقال بـ قوة: "يا مدام عبير، التوكيل اللي عملتيه لمامتك (باطل)، والاعتراف اللي سجلناه ليكي وإنتي داخلة بتقولي (خلصت المهمة ولا لسه؟) كفيل يرميكي ورا الشمس.. إنتوا مقبوض عليكم بتهمة الشروع في قتل وتزوير أوراق رسمية."

عبير قعدت تصرخ وتلطم وتقول: "يا ماما الحقينا! أنا عملت كدة عشان أعيشك ملكة!"

رديت عليها ودموعي نازلة بـ حرقة: "أنا كنت ملكة بكرامتي وبفقري.. لكن بـ غدرك ده، إنتي (جارية) لطمعك. من النهاردة، أنا مليش بن اسمها عبير."

النهاية

عبير وشريف اتحكم عليهم بالسجن المشدد 15 سنة، ومدام عفاف خفت وبقت زي الفل، وصممت إنها تتبناني كـ أخت ليها. نقلتني أعيش معاها في الفيلا، ورجعت لي شقتي اللي عبير كانت عاوزة تسرقها.

أنا بقيت أقعد في جنينة الفيلا، أبص للسما وأقول: "سبحانك يا رب.. الوجع اللي جالي من بنتي، ربنا داواه بـ رحمة غريبة." وعرفت إن "الدم" م بيدي الحق في الظلم، وإن اللي يبيع أمه عشان "فيلا"، ربنا بيحرمه من السكن في الدنيا والآخرة.

العبرة: م تأمنش لـ "طمع" النفوس حتى لو كانوا من دمك، ودائماً خلي عينك وسط راسك في الأوراق والتوكيلات.. والحق دايماً صوته عالي، حتى لو طلع من "غيبوبة" بقالها شهور.

 

تم نسخ الرابط