سخرو منها

لمحة نيوز

سخروا منها طوال الصيف، ولكن بعد أشهر، اضطر أهل القرية جميعاً للاعتذار إليها والدموع في أعينهم.. درسٌ في الحياة لا يُنسى!
الجزء الأول
في أحضان منحدرات "سييرا تاراهومارا"، كانت قرية "سان ماركوس" الصغيرة تعيش على إيقاع الطبيعة. اعتاد سكانها، وهم أهل ريف جُبلوا على الشتاءات القاسية لكن القصيرة، على ثقة مفرطة بالنفس بلغت حد العمى. في كل صيف، كانت الأرض تمنحهم حصاداً وفيراً من الذرة والفاصولياء والفواكه، فيملأون مخازنهم بما يكفي بالكاد لشهور البرد، ويبيعون الباقي للتجار، ثم ينصرفون للاحتفالات والموسيقى.
لم يكن ذلك كلاً، بل كان تقليداً متوارثاً شعاره "الرب سيدبر الأمر". لكن التقاليد، كما سيكتشفون لاحقاً، قد تتحول إلى فخ مميت حين تقرر السماء تغيير قواعد اللعبة.
عند أطراف القرية، في كوخ خشبي متاخم لغابة الصنوبر، كانت تعيش "السيدة سوليداد"، والتي عرفها الناس بلقب "الأرملة". توفي زوجها قبل خمس سنوات في حادث أليم أثناء عاصفة، ومنذ ذلك الحين، أصبحت سوليداد كظِلّ باهت؛ نادراً ما تظهر في الساحة العامة، ولا تشارك في الحفلات أو أحاديث النساء. كانت حياتها عبارة عن مناجاة صامتة من العمل الشاق.
في ذلك الصيف، وبينما كان أهل القرية ينفقون أرباحهم على المظاهر والاحتفالات، فعلت سوليداد شيئاً أثار سخرية الجميع: بدأت في تجفيف الأغذية بكثافة بلغت حد الهوس.
لم يكن تجفيف اللحم أمراً غريباً في تلك المنطقة، لكن سوليداد رفعت الأمر إلى مستوى صناعي. علّقت أمتاراً وأمتاراً من شرائح اللحم المملح تحت إفريز سقفها، وصنعت إطارات خشبية نشرت عليها شرائح التفاح والطماطم والفلفل، لتقوم الشمس والرياح الجافة بعملها. كانت تعمل من بزوغ الفجر حتى غياب الشمس، دون أن تتوقف يوماً واحداً للراحة.
صاحت بها جارتها "كارميليتا" يوماً من خلف السياج:
— "يا سيدة سوليداد! لماذا كل هذا العناء؟ يبدو أنكِ تنوين إطعام جيش كامل!"
لم ترفع سوليداد رأسها عن العمل، وقالت بلهجة هادئة:
— "إنه من أجل الشتاء يا كارميليتا.. السماء تبدو غريبة هذا العام."
أطلقت الجارة ضحكة رنت في الوادي وقالت:
— "يا للهول! وكأن العالم سينتهي! لقد اعتدنا دائماً قضاء الشتاء بما ندخره، فلا تبالغي يا امرأة."
وانتشرت تلك الكلمة كالنار في الهشيم في أرجاء القرية: "المبالِغة".
وفي المجالس، كان الرجال يسخرون منها قائلين:
— "الأرملة فقدت عقلها من فرط الوحدة، تعتقد أن طوفاناً قادماً لا محالة!"
سمعت سوليداد تلك الشائعات حين نزلت لشراء الملح، لكنها لم تنطق بكلمة. أطبقت شفتيها، ودفعت الثمن، وعادت إلى كوخها الذي استحال مع نهاية شهر أغسطس إلى "حصنٍ للنجاة". كانت عشرات الأكياس المملوءة بالأطعمة المجففة تتدلى من سقف الكوخ، محصنة ضد الرطوبة والقوارض.
جاء شهر أكتوبر، وفعل سكان القرية ما يفعلونه دوماً؛ خزنوا القليل من الذرة، وقطعوا حطباً يكفي لشهرين، واثقين بأن شاحنات الإغاثة الحكومية ستصلهم إذا اشتد الجليد لتوزع عليهم الأغطية والطعام.. لأن هذا ما كان يحدث دائماً.
حتى انشقت السماء، وحدث ما لم يكن في الحسبان.
في ليلة 15 نوفمبر، الرياح اتغيرت فجأة.. مكنتش ريح باردة عادية، دي كانت ريح بـ "تصفر" كأنها صرخة وجع. السماء اللي كانت نجومها منورة، اتقفلت بـ سحاب أسود تقيل لدرجة إنه غطى الجبال تماماً.

وبدأ التلج..

في الأول كان رقائق خفيفة، بس في أقل من ساعتين، تحول لـ "ستارة" بيضاء بـ ترمي حمولها بـ غل. الصبح طلع والقرية كانت مدفونة! البيوت اللي كان سقفها واطي مأبقتش باينة، والطرق اللي بـ توصلهم للمدينة اتقفلت بـ كتل جليد وصل ارتفاعها لـ 3 متر.

❄️ الحصار القاتل

الأسبوع الأول عدى، والناس بدأت تقلق. شاحنات الإغاثة مأجتش.. لانو العاصفة كانت "تاريخية" وضربت الولاية كلها، والجيش مأقدرش يوصل للمناطق الجبلية. الكهرباء انقطعت، وخطوط التليفون وقعت، والقرية بقت "جزيرة مقطوعة" في محيط من التلج.

في الأسبوع التاني، المخازن الصغيرة في البيوت بدأت تخلص. الذرة اللي سخروا من سوليداد لانو كانت بـ تجففها، بقت حلم. الأطفال بدأوا يعيطوا من الجوع، والرجالة اللي كانوا بـ يهزروا في المجالس، بقوا قاعدين بـ يبصوا لـ عيالهم بـ عجز يكسر القلب.

"كارميليتا"، الجارة اللي سخرت من سوليداد، دخلت المطبخ ولقيت آخر كيس فاصولياء خلص.. بصت لـ جوزها وقالت بـ دموع:

— "إحنا هنموت من الجوع يا خوسيه.. والتلج مش راضي يوقف."

🛑 المعجزة وراء الكوخ الخشبي

وفي عز اليأس، وفوق قمة المنحدر، كان فيه "دخان" خفيف بـ يطلع من مدخنة كوخ السيدة سوليداد.

سوليداد مأكنتش قاعدة بـ تاكل لوحدها.. دي كانت بـ تجهز "قدور" ضخمة من الشوربة الدافية اللي فيها لحم مجفف وخضار ودفا.

فجأة، الباب خبط بـ ضعف. فتحت لقت "كارميليتا" ومعاها طفلها، وراهم صف من أهل القرية، رؤوسهم في الأرض من الخجل.

كارميليتا وشوشت بـ صوت مخنوق:

— "سامحينا يا سوليداد.. إحنا كنا جهلة.. عيالي بـ يموتوا."

سوليداد مأبصتش لهم بـ شماتة، ولا قالت "أنا قلت لكم". فتحت الباب على آخره وقالت بـ هدوء الأنبياء:

— "ادخلوا.. البيت بيتكم، والزاد زاد الله.. أنا مأكنتش بـ أخزن لنفسي، أنا كنت بـ أخزن لـ يوم زي ده، لاني عارفة إن الجبال غدارة."

⚖️ درس العمر

لمدة شهر كامل، سوليداد "الأرملة الوحيدة" هي اللي شالت القرية كلها على كتافها. مخازنها اللي سخروا منها، هي اللي كانت بـ تطلع "دهب" في شكل تفاح مجفف وفلفل ولحم. الأطفال اللي كان وشهم أصفر، رجعت فيهم الروح بفضل "المبالِغة".

لما العاصفة هديت والشمس طلعت، وشاحنات الإغاثة وصلت أخيراً، لقوا أهل القرية كلهم متجمعين قدام كوخ سوليداد.. مش عشان ياخدوا كراتين الإغاثة، ده عشان يودعوها وهما بـ يبوسوا إيدها والدموع في عينيهم.

عمدة القرية وقف قدامها وقال بـ صوت سمعه الكل:

— "يا سيدة سوليداد.. إحنا مأتعلمناش منك إزاي نجفف الأكل وبس، إحنا أتعلمنا منك إن الكرامة والحكمة بـ تبدأ من (العمل في صمت)، وإن اللي بـ يضحك في الصيف، ممكن يصرخ من الوجع في الشتاء لو مأعملش حساب بكرة."

🔚 النهاية

من اليوم ده، مأبقتش سوليداد "الأرملة الباهتة".. بقت "أم سان ماركوس". والقرية مأبقتش بـ تبيع كل حصادها، وبنوا مخزن كبير بـ اسم "مخزن سوليداد"، بيملوه في الصيف عشان الشتاء مأيفاجئهمش تاني.

العبرة: م تسخرش من شخص بـ يخطط لـ بعيد، لمجرد إنك عايش لـ "اللحظة".. العقل هو اللي بـ يحمي الجسد، واللقمة اللي بـ تشيلها بـ إيدك، أحسن من الشاحنة اللي بـ تستناها من غيرك.

 

تم نسخ الرابط