رمو ابوهم وامهم

لمحة نيوز

رموا أبوهم وأمهم في عز المطر والبرق.. ميعرفوش إن "الراجل العجوز" ده شايل سر في "ظرف أصفر" هـ يخليهم يشحتوا بقية عمرهم!
ليلة 22 أبريل، الدنيا كانت بـ تشتي بـ غزارة لـ درجة إن الشوارع غطست في المية. وفي وسط العاصفة دي، كانت "الحاجة كريمة" و "الحاج رفعت" بـ يمشوا بـ صعوبة، مبلولين لـ حد العظم، وجارين وراهم شنطتين قدام بـ العافية مقفولين.
الحاجة كريمة كانت بـ تترعش لـ درجة إنها مش قادرة تمسك الشمسية المكسورة. والحاج رفعت، بـ عمره اللي وصل لـ 75 سنة، كان بـ يمشي جنبها ورافع راسه بـ كبرياء، رافض إنه يتكسر قدام مراته.. بس الكسرة كانت من جوه.
أصعب من برد المطر، كان صوت ابنه الكبير بـ يرن في ودنه:
— "كفاية كدة يا بابا.. البيت بقى بـ اسمي خلاص، مألكوش مكان هنا تاني!"
الحاجة كريمة غمضت عينها بـ وجع وهي بـ تفتكر اللي حصل قبلها بـ كام ساعة. ولادها الأربعة كانوا واقفين في الصالة.. الأربعة! ولا واحد فيهم اتكسف، ولا واحد فيهم وطى عينه في الأرض.
الكبير كان بـ يتكلم بـ برود كأنه بـ يخلص ورق حكومي مش بـ يرمي أهله في الشارع.
التانية كانت مربعة إيدها وبـ تتأفف كأن أبوها وأمها "حمل تقيل" بـ تخلص منه.
التالت مأرفعش عينه من الموبايل أصلاً.
أما الصغيرة.. فـ دي كانت "الوجع الحقيقي". لانو كانت بـ تعيط، بس مش عشان تدافع عنهم.. دي كانت بـ تعيط بـ تقول لهم "امشوا بسرعة قبل ما الجيران تلم علينا الناس وتفضحونا!"
الحاج رفعت بص لـ ولاده بـ صمت طويل، كان مستني حد فيهم يفوق.. حد فيهم يفتكر الليالي اللي نام فيها هو وأمهم جوعنين عشان هما ياكلوا. يفتكر سنين شقاه في الورشة لـ حد ما إيده اتشققت. يفتكر الفساتين اللي كريمة كانت بـ تخيطها لـ حد الفجر لـ حد ما بـ تنام على المكنة. يفتكر مصاريف المدارس واللبس والدروس اللي كانت بـ تطلع من "اللحم الحي".
بس مأحدش نطق بـ كلمة.
لـ حد ما الكبير كمل بجاحته: — "لو مأمضيتوش ومشيتوا النهاردة، بكرة هـ أغير القفل وأرمي باقي كراكيبكم على الرصيف!"
في اللحظة دي، الحاج رفعت وقف في نص المطر. بـ إيد بـ تترعش، مد إيده في جيب الجاكيت المبلول، ولمس الحاجة الوحيدة اللي بـ يحميها بـ عمره بقاله سنين. "ظرف أصفر" كبير.. قديم.. ومكرمش. بس الظرف ده "قنبلة" هـ تغير حياة الكل.
كريمة بصت له والدموع نازلة بـ مطر الشتا: — "رفعت.. قولي إن الظرف لسه معاك."
هز راسه بـ "أيوة".. ولأول مرة في الليلة دي، عينه مأبقتش مكسورة. بقت فيها نظرة باردة وقوية.
— "أيوة يا كريمة.. وبعد اللي عملوه النهاردة، مأحدش فيهم هـ يشوفني 'راجل عجوز غلبان' تاني."
وفجأة.. نور كشافات عربية قطع سواد المطر. عربية سوداء شيك جداً وقفت قدامهم بـ الظبط. ونزل منها راجل بـ بدلة، ملامحه قلقة وصوته فيه لهفة:
— "سعادة المستشار رفعت بيه.. أخيراً لقيناك! إحنا اتأخرنا عليك أوي يا فندم."
كريمة اتسمرت مكانها.. ورفعت مأنطقش. لانو فجأة، الظرف اللي تحت الجاكيت مأبقاش مجرد ورق قديم.. ده بقى "حكم " لـ ولاده! 

الراجل اللي نزل من العربية كان الأستاذ "شاكر"، أكبر محامي في البلد. فتح الباب لرفعت وكريمة باحترام وقال بصوت عالي سمعه الجيران اللي كانوا بيتفرجوا من البلكونات:
— "يا فندم، القصر جاهز، والحراسة استلمت المواقع، والشركة الأم في انتظار توقيع سعادتك عشان صفقة الـ 100 مليون!"
الولاد الأربعة، اللي كانوا واقفين ورا شباك الفيلا بـ يتفرجوا بـ شماتة، اتسمروا مكانهم. الكبير "هاني" نزل يجري وهو حافي وقميصه مفتوح وصوته بيترعش:
— "بابا! إيه اللي بيحصل؟ مين ده؟ وإيه مستشار و100 مليون دي؟ إنت أكيد بتهزر!"

الحاج رفعت وقف بمنتهى الثبات، وطلع "الظرف الأصفر" من تحت جاكيته المبلول. فتحه وطلع منه "عقود" مسجلة بختم الدولة. بص لولاده وقال بصوت هز الشارع كله:
— "أنا رفعت المنشاوي.. المستشار القانوني اللي بنى إمبراطورية شركات في الغربة قبل ما أرجع وأقرر أعيش بينكم كـ راجل بسيط في ورشة، عشان أشوف هل هتحبوني لـ شخصي ولا لـ مالي. كنت عاوز أربي (بني آدمين)، بس اكتشفت إني ربيت (دياب) بتنهش في لحمي."
كريمة مسحت دموعها وقالت بمرارة:
— "البيت اللي طردتونا منه يا هاني، ده كان مجرد (اختبار).. والورق اللي باباكم خلاكم تمضوا عليه الصبح وأنتوا فاكرين إنه تنازل عن البيت، مكنش تنازل.. ده كان (إقرار جحود) بـ يثبت إنكم طردتم أهليكم، وبموجب الإقرار ده، تم تفعيل بند في (الوصية الكبرى) بـ يحرمكم من كل مليم أملكه للأبد!"

هاني وقع على الأرض تحت رجلين أبوه: "سامحني يا بابا! مكنتش أعرف! أنا كنت بهزر معاك!"
البنت الصغيرة جرت تمسك إيد أمها: "يا ماما.. أنا كنت بعيط عشانكم والله!"
رفعت نفض إيده منهم وقال ببرود يوجع القلب:
— "الظرف ده فيه (أمر طرد) ليكم أنتم الأربعة من الفيلا دي بكرة الصبح.. لانو الفيلا دي كمان مسجلة باسم (مؤسسة رفعت وكريمة للأيتام). أنتم من اللحظة دي م تملكهوش غير الهدوم اللي عليكم. أنا علمتكم ولبستكم وجوزتكم، ومن هنا ورايح، وروني هتعيشوا إزاي بـ (شطارتكم) اللي ضيعتكم."

رفعت وكريمة ركبوا العربية السوداء، ومشيت بيهم في هدوء تام. الولاد فضلوا واقفين في المطر، والناس اللي في الشارع بتبص لهم باحتقار. هاني اكتشف إن "الشركة" اللي كان شغال فيها، والده هو "المالك الخفي" ليها، وتاني يوم الصبح استلم قرار "رفد" بسبب سوء السلوك.
البنت اللي كانت خايفة من الفضيحة، بقت هي "الفضيحة" الحقيقية في كل لسان، ومحدش رضي يقرب من عيلة باعت أهلها في عز المطر.

الحاج رفعت وكريمة عاشوا في القصر بتاعهم في هدوء، وخصصوا كل ثروتهم للأعمال الخيرية وللناس اللي بـ "تصون العشرة". أما الولاد، فدارت بيهم الدنيا واشتغلوا "عمال" بـ يوميات بسيطة عشان بس يلاقوا لقمة ياكلوها، وكل ما الدنيا تشتي عليهم، يفتكروا الليلة اللي رموا فيها "أغلى ما عندهم" في البرد، ويعرفوا إن "دعوة الوالدين" م بينها وبين ربنا حجاب.
العبرة: م تفتكرش إنك لما تظلم أهلك هترتاح بـ مالهم، لأن (المال) بيجي وبيروح، بس (الرضا) هو اللي بيبني البيوت.. والستار ممكن ينكشف في ثانية ويوريك إنك "ولا حاجة" من غير بر والديك.

تم نسخ الرابط