ربيت بنات اخويا
ربيت بنات أخويا ١٥ سنة.. والأسبوع اللي فات ظهر واداني ظرف مقفول وقالي: "ماتفتحيهوش قدامهم".. الصدمة كانت في اللي جوه الظرف!
من ١٥ سنة، أخويا دفن مراته.. واختفى قبل ما الورد اللي على قبرها يلحق يدبل.
لا قالي سلام، ولا عرفني هو رايح فين. ساب لي تلات بنات واقفين على باب بيتي مع موظفة من الشؤون الاجتماعية وشنطة هدوم واحدة مقطوعة.
كان عندهم ٣ و٥ و٨ سنين لما جم عاشوا معايا.
الصغيرة كانت لسه بتسأل "ماما هتيجي امتى؟".. الكبيرة بطلت عياط بعد أول أسبوع وده وجعني أكتر
.. والوسطانية رفضت تطلع هدومها من الشنطة لشهور، كأنها كانت فاهمة إن وجودها عندي مؤقت.
كنت بقول لنفسي أخويا أكيد هيرجع.. أكيد حصلت له مصيبة.. مفيش بني آدم في الدنيا بيمشي ويسيب عياله كده بعد ما مراته ماتت في حادثة.
بس الأسابيع بقت شهور.. والشهور بقت سنين.
لا حس ولا خبر.. ولا حتى رنة تليفون.
فـ بطلت استناه.
بقيت أنا اللي بحضر اللانش بوكس، وأروح حفلات المدرسة، وأسهر جنبهم في السخونية، وأمضي على كل شهاداتهم. أنا اللي كانوا بيجروا عليه في أول وجع قلب، وأول شغلانة، وأول خبطة من الدنيا.
وفي وسط الطريق ده، مابقوش "بنات أخويا".. بقوا بناتي أنا.
وفجأة.. الأسبوع اللي فات، وبعد ١٥ سنة سكات..
لقيته واقف قدام بابي.
كبر.. وخس.. وكأن الدنيا داسط عليه لدرجة تخوف.
البنات معرفهوش.. بس أنا عرفته.
ماتأسفش.. ولا حكى كان فين..
بص لي في عيني، وحط في إيدي ظرف مقفول، وقالي بصوت واطي: "بلاش قدامهم".
مسكت الظرف في إيدي.
وقفت ثواني.. ببص للورقة دي بذهول.
١٥ سنة غياب.. وهو ده كل اللي رجعت بيه؟
بصيت له في عينه..
وبالراحة كده.. فتحت الظرف.....
أخويا مشي من غير ما يلمس حد من البنات، كأنه خايف يلوث براءتهم بتعبه. دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح، إيدي كانت بتترعش وأنا بطلع اللي جوه الظرف. مكنش فيه فلوس، ولا كان فيه "رسالة اعتذار".. كان فيه (مجموعة عقود) و (تقرير طبي) و (شيك بمبلغ خيالي).
فتحت التقرير الطبي الأول، وشهقت لدرجة إن نَفَسي اتقطع.. التقرير كان بتاريخ "يوم الحادثة" من ١٥ سنة، ومكتوب فيه إن أخويا (مصاب بفقدان ذاكرة كلي نتيجة صدمة عصبية وعضوية حادة).
أخوكي مكنش هارب يا حبيبتي.. أخوكي يوم جنازة مراته، وعقله مأتحملش الوجع، خرج يهيم على وجهه وعمل حادثة تانية فقد فيها الذاكرة تماماً. عاش ١٠ سنين في "دار رعاية" مجهول الهوية، بيشتغل بلقمته في مزارع بعيدة، ومحدش عارف هو مين.
من ٥ سنين بس، الذاكرة بدأت ترجع له تدريجي.. وأول ما افتكر، م رجعش فوراً. اشتغل زي العبيد في شركات مقاولات في بلد عربية، ودخل صفقات بقلب ميت لأنه مكنش عنده حاجة يخسرها، لحد ما جمع "ثروة" تأمن حياة البنات اللي ضيع عمرهم بعيد عنهم.
فتحت الورقة التانية في الظرف.. كانت (عقد ملكية فيلا) باسمك إنتي! وجنبها رسالة صغيرة بخطه المهزوز:
— "يا أختي.. أنا مأقدرش أعوضك عن ١٥ سنة من عمرك ضاعوا في تربية بناتي، ولا أقدر أخلي بناتي يسامحوني. الشيك ده مهر لكل واحدة فيهم، والفيلا دي ليكي إنتي.. أنا مش راجع أخد البنات منك، أنا راجع أسلم نفسي للبوليس."
جريت وراه قبل ما يركب عربيته، مسكته من إيده وأنا بصرخ: "يعني إيه تسلم نفسك للبوليس؟ عملت إيه يا عادل؟"
بص لي بوجع وقال: "عشان أجيب الفلوس دي بسرعة يا أختي، اضطررت أدخل في صفقات مع ناس (مش تمام).. والنهاردة أنا بلغت عنهم كلهم، وعارف إن دوري جاي. أنا كنت بس عاوز أطمن إن بناتي مش هيحتاجوا لحد غيرك."
البنات خرجوا على صوتي، وشافوا الراجل اللي بيبكي في حضن عمتهم. الكبيرة (اللي عندها ٢٣ سنة دلوقتي) قربت ببطء، وبصت في ملامحه.. وفجأة، صرخت بصوت هز الشارع: "بابا؟"
ارتمت في حضنه وبكت بوجع الـ ١٥ سنة كلهم. أخوكي مأخدش البنات ومشي، هو دخل السجن ٤ سنين بتهمة التستر، بس البنات م سابوهوش يوم واحد. كنتي بتروحي إنتي وهما تزوروه كل أسبوع، والظرف اللي سابه كان هو "طوق النجاة" اللي خلاه يرجع لبناته بكرامة، حتى لو ورا القضبان.
بعد ٤ سنين، أخوكي خرج، وعاش معاكم في الفيلا الجديدة. البنات بقوا بيحبوه، بس فضلتي إنتي "الملكة" في البيت. أخوكي كان بيقعد كل يوم يحكي لهم عن مامتهم، وعرفتي إن (الظرف المقفول) مكنش فيه "خيانة" ولا "ندالة".. كان فيه "تضحية" أب قرر يحرق نفسه عشان ينور طريق بناته اللي تاه عنهم غصب عنه.
وعرفتي إن الـ ١٥ سنة اللي فاتوا م كنش ضياع، دول كانوا "اختبار" ليكي، وطلعتي فيها (بطلة) حقيقية شالت أمانة أخوها في عز الضلمة.
العبرة: م تحكمش على حد بالظلم وإنت م تعرفش الظروف اللي غيبته.. وساعات "الهروب" بكون عجز مش اختيار، والخير اللي بتزرعه في ولاد غيرك، بيرجع لك "عز وجاه" وستر من حيث لا تحتسب.