بعد ما اترفدت

لمحة نيوز

بعد ما اترفدت من شغلي، أبويا اتريق عليا وقال إني مليش لازمه وبعدها بكام يوم، أهلي احتفلوا بتدريب أخويا المجاني وهم بيهينوني قدام الناس. وبعد 5 شهور، قرار واحد مني خلاهم ييجوا يعيطوا على باب الشقة اللي طردوني منها
الساعة كانت 1147 بالليل لما خبط عنيف هز باب شقتي الصغيرة.
قمت مفزوعة وبصيت من العين السحرية.
كان أبويا.
حسام منصور.
واقف متبهدل تحت المطر، حاطط إيده على الحيطة كأنه هيقع.
أمي منى كانت واقفة جنبه بتعيط.
وأخويا كريم قاعد جوه العربية مطفي النور، باصص للشارع كأنه خايف يبصلي في عيني.
قبلها بخمس شهور
لما اترفدت من شغلي في شركة تسويق، أبويا ضحك في وشي.
أهو كله كلام فاضي في الآخر.
تلات أيام بعديها، عملوا عزومة كبيرة في الجنينة عشان يحتفلوا إن كريم أخد تدريب بدون مرتب في شركة صاحبه.
ولما نزلت آخد طبق أكل من مطبخي
أبويا وقف في الباب ومنعني.
بلاش تبوظي الجو على الناس.
أمي كانت بتضحك قدام الضيوف وهي بتهمسلي
ما تخليناش نبان مثيرين للشفقة قدام الناس.
أما كريم
فقالها وهو بيضحك مع صحابه
إنتِ ما كسبتيش غير الشفقة والإحراج.
في الليلة دي
سيبت البيت.
استأجرت أوضة صغيرة فوق مكتبة قديمة في وسط البلد.
وابتديت من الصفر.
شغل حر.
عقود صغيرة.
سهر.
تعب.
وقهوة رخيصة كل يوم.
لكن اللي ماكانوش فاهمينه
إني أنا كنت الشخص اللي ماسك شركة أبويا من ورا الستار.
أنا اللي كنت بظبط ملفات العملاء.
المواعيد.
الفواتير.
التصاريح.
الموردين.
كل حاجة.
وهم كانوا فاكرين إن الدنيا ماشية لوحدها.
بعد ما مشيت
الدنيا وقفت.
أول تصريح اتأخر.
بعده فاتورة غلط.
بعدها عميل انسحب من مشروع بملايين.
وفي أقل من 3 شهور، شركة المنصور للمقاولات بقت نكتة في السوق.
أما أنا
فاتعرض عليا شغل جديد في شركة كبيرة اسمها سيتي بيلد، مدير علاقات عملاء.
أول مرة في حياتي حد شاف قيمتي فعلًا.
دلوقتي
أبويا كان واقف على باب شقتي بيترجاني.
يا كارما إحنا محتاجين ندخل السيستم.
ضحكت بسخرية.
تقصدوا محتاجين الباسوردات؟
أمي مسكت كم البلوزة بتاعتي وهي بتعيط
الموضوع أكبر من العند يا بنتي.
وفجأة
كريم نزل من العربية.
وشه كان أصفر ومرعوب.
لقوا ملف آل الجندي.
أبويا بصله كأنه خلع مسمار قنبلة.
وبعدين بصلي أنا.
وقال بصوت مهزوز
اسمك موجود في الملف.
ابتسمت السخرية على وشي اختفت.
إيه؟
كنت فاكرة إنهم جايين عشان الشركة بتغرق.
لكن اللي قاله كريم غيّر كل حاجة.
لأن ملف آل الجندي
كان المفروض يكون متقفل من سنة.
ووجود اسمي فيه
كان معناه إن حد استخدمني ككبش فدا من غير ما أعرف.
وفجأة فهمت ليه أبويا واقف بيرتعش على بابي الساعة نص الليل.
ماكانوش جايين عشان الشركة.
كانوا جايين عشان ينقذوا نفسهم.
حتى لو اتحرقت أنا مكانهم.
وقف حسام يرتجف، الكلمات هربت من لسانه وهو ينظر لابنته كارما التي لم تعد تلك الفتاة المنكسرة التي طردها قبل خمسة أشهر. كارما سحبت يدها من قبضة أمها بقوة، ونظرت إليهم نظرة جعلت الصمت يطبق على المكان.
ملف آل الجندي؟ سألت كارما بصوت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة. الملف اللي كان فيه تلاعب في مواصفات الخرسانة لبرج التجمع؟ إيه اللي جاب اسمي فيه يا بابا؟
كريم، الذي كان يختبئ في السيارة، نزل أخيراً وهو يمسح عرقاً بارداً عن جبينه يا كارما.. إحنا كنا محتاجين توقيع مهندس مسؤول عشان نعدي الشحنة.. وبما إنك كنتِ لسه شغالة في المكتب الفني، ومكنتيش بتركزي في الورق اللي كنت ببعتهولك تمضيه وسط الدردشة.. ف..
ف مضيتوني على قرار إعدامي؟ صرخت كارما والدموع بدأت تلمع في عينيها، لكنها كانت دموع غضب لا ضعف. أنا اللي كنت بسهر أصلح وراكم، أنا اللي كنت بخلي الشركة نضيفة قدام الناس.. تلبسوني قضية جنائية عشان توفروا كام مليون في جيوبكم؟
أبوها حاول يتقدم خطوة يا بنتي، إحنا مستعدين ندفع لك اللي تعوزيه، بس ادخلي على السيستم وامسحي المراسلات اللي بتثبت إننا كنا عارفين.. آل الجندي قدموا بلاغ للنيابة، واللجنة هتوصل المكتب بكرة الصبح.
كارما ضحكت ضحكة هزت أركان الممر الضيق. ضحكة جعلت أمها منى تشعر لأول مرة بحجم الجريمة التي ارتكبوها في حق ابنتهم.
أدخل على السيستم؟ قالت كارما وهي تخرج مفتاح فلاشة من جيبها. إنتوا نسيتوا إني أنا اللي صممت السيستم ده يا بابا. ونسيتوا إني لما مشيت من البيت، مسبتش ورايا حاجة تدمرني.. بالعكس، أنا أخدت معايا نسخة احتياطية من كل إيميل، وكل أمر توريد، وكل مكالمة متسجلة كنتوا بتعملوها عشان تغشوا في المواصفات.
أبوها صرخ بذعر انتي بتقولي إيه؟ انتي عايزة تخربي بيتنا؟
البيت اتخرب يوم ما طردتوني عشان تحموا الفاشل اللي قاعد جنبكم ده! وأشارت لكريم الذي انكمش على نفسه. يوم ما أهنتوني قدام الناس وقلتوا إني مليش لازمة، مكنتوش تعرفوا إن اللي مالهاش لازمة دي هي اللي كانت حامياكم من السجن.
فجأة، ظهرت أضواء سيارة شرطة في أول الشارع. كريم صرخ ألحقينا يا كارما! هما دول؟
كارما بصت لهم ببرود قاتل لأ.. دول مش بتوع آل الجندي. دول أنا اللي طلبتهم. أنا قدمت بلاغ للنيابة العامة من أسبوع بكل المستندات اللي معايا.. براءتي مش هتيجي بمسح إيميلات، براءتي هتيجي بإن الفاسد يتحاسب.
أمي ارتمت على رجليها بلاش يا كارما! ده أبوكي وأخوكي! هتهدي عيلتنا بإيدك؟
العيلة اللي بتبني نفسها على جثة بنتها متستاهلش تعيش يا أمي. قالتها كارما وهي تفتح باب شقتها وتدخل، ثم أغلقته في وجوههم بكل قوة، تاركة إياهم في مواجهة مصيرهم المحتوم تحت المطر.
بعد أسبوع من تلك الليلة، تصدرت أخبار شركة المنصور للمقاولات الصحف، ليس بصفقات جديدة، ولكن بقرار حبس حسام وكريم منصور على ذمة التحقيق في قضايا غش تجاري وتزوير.
أما كارما، فكانت تجلس في مكتبها الجديد في شركة سيتي بيلد، الشركة التي لم ترَ فيها كبش فدا، بل رأت فيها مهندسة عبقرية تستحق القيادة. اتصل بها محامي آل الجندي ليبلغها بشكر العائلة لها لأنها كشفت الحقيقة وأنقذت مئات الأرواح التي كانت ستسكن ذلك البرج المغشوش، وعرضوا عليها شراكة في مكتبهم الاستشاري الجديد.
كارما وقفت أمام شباك مكتبها، تنظر إلى القاهرة التي كانت يوماً ما تبدو لها موحشة، والآن أصبحت تبتسم لها.
اتعلمت كارما إن الدم مش دايماً بيبقى سند لو كان ملوثاً بالغل، وإن الرفد من الشغل مكنش نهاية العالم، كان الفرصة اللي خلتها تكتشف إنها بطلة قصتها هي، مش ضحية في قصة حد تاني.
أما اللي طردوها واستهانوا بيها، فعرفوا إن اللي مالهاش لازمة كانت هي العمود اللي شايل سقف بيتهم.. ولما العمود ده اتشال، البيت كله وقع فوق دماغهم.
تمت.

تم نسخ الرابط