اخويا طرد امي
أخويا طرد أمي من بيتها بعد وفاة أبويا بأسبوعين بس، وقال قدام العيلة كلها إن البيت باسمه وإن مفيش حد له حق يقعد فيه غيره لكن الورقة اللي طلعتها أمي من آخر درج في الدولاب خلت المحامي نفسه يقف مصدوم ومش لاقي كلام يقوله.
بعد ما أبويا اتوفى، البيت بقى كله حزن وسكات.
أمي كانت لسه مش مستوعبة غيابه.
كل ركن في البيت كان بيفكرها بيه.
كرسيه.
نظارته.
المصحف اللي كان بيقرأ فيه كل فجر.
لكن أخويا الكبير، سامح، كان عنده حسابات تانية خالص.
من أول يوم العزا وهو بيتكلم عن الورق والعقارات والحسابات أكتر ما بيتكلم عن أبويا.
وفي يوم دخل علينا وقال بكل ثقة
لازم نرتب الأوضاع من دلوقتي.
أمي بصتله باستغراب
أوضاع إيه يا ابني؟
قال وهو حاطط ملف قدامه
البيت باسمي من سنتين، وأبويا كاتبهولي بعقد رسمي.
حسيت إن أمي اتجمدت مكانها.
إزاي يعني؟
طلع ورقة فعلًا.
وعليها توقيع.
وقال إن أبويا نقل الملكية ليه قبل ما يتعب.
وأول ما شاف خوف أمي كمل كلامه
أنا هبيع البيت قريب، وكل واحد يشوف له مكان.
قلتله بعصبية
إنت بتقول لأمك تشوف لها مكان؟!
بصلي وقال
أنا ماليش دعوة، القانون قانون.
أمي سكتت.
سكات غريب.
لا عياط.
لا صريخ.
ولا حتى اعتراض.
لدرجة إن سامح افتكر إنها استسلمت.
وبعدها بكام يوم جاب محامي وسمسار علشان يخلصوا إجراءات البيع.
وكانوا قاعدين في الصالون بيتكلموا عن سعر البيت وكأنه فاضي ومفيش حد عايش فيه.
لحد ما أمي قامت بهدوء.
ودخلت أوضة نومها.
ورجعت بعد دقايق وهي ماسكة ظرف أصفر قديم.
الظرف كان متني من الزمن.
واضح إنه بقاله سنين متخزن.
حطته قدام المحامي وقالت
قبل ما تبيعوا البيت اقرا ده الأول.
سامح ضحك وقال
إيه ده كمان؟ جواب حب من أبويا؟
لكن المحامي فتح الظرف.
وبدأ يقلب الورق.
ثانية.
واتنين.
وتلاتة.
وفجأة ملامح وشه اتغيرت بالكامل.
وقف من مكانه مرة واحدة.
ورجع بص لأمي.
وبعدين بص لسامح.
وقال بصوت مرتبك
الورقة دي جات منين؟
سامح اتوتر لأول مرة.
وقال
في إيه؟
المحامي بلع ريقه.
ورجع يبص للورقة مرة تانية.
وأمي كانت قاعدة بهدوء غريب وهي بتفرك في سبحتها.
أما سامح
فبدأ لون وشه يختفي تدريجيًا.
لأنه فهم إن السر اللي كان فاكره مدفون مع أبويا لسه موجود.
وإن الورقة اللي كانت مستخبية في الدولاب سنين طويلة، ممكن تقلب كل حاجة رأسًا على عقب.
سامح قام من مكانه بسرعة.
وقال بعصبية
في إيه يا أستاذ؟ ما تنطق!
المحامي فضل ماسك الورق بإيده.
وبعدين قال
الورقة دي أصلها فين يا مدام أم سامح؟
أمي بصتله بهدوء.
وقالت
جوزي سلّمهالي بنفسه قبل ما يتوفى بسنة.
سامح ضحك بتوتر.
إيه يعني؟ ما تقولوا فيه إيه وخلاص.
المحامي حط الورق على الترابيزة.
وقال
لأن الورقة دي بتثبت إن عقد نقل الملكية اللي معاك اتلغى رسميًا بعد شهرين من توقيعه.
الصمت نزل على الصالون.
السمسار بطل كلام.
وأنا حسيت قلبي بيدق بعنف.
سامح اتجمد.
مستحيل.
المحامي زق الورقة قدامه.
دي نسخة موثقة من إلغاء التنازل.
والأهم
فيها إقرار موقع من والدك إنه اكتشف وجود بيانات غير صحيحة وقت توقيع العقد.
سامح وشه اصفر.
لا لا أكيد في غلطة.
أمي ساعتها لأول مرة رفعت عينيها فيه.
وقالت
مفيش غلطة يا سامح.
فضل باصص لها.
كأنه بيشوفها لأول مرة.
وقالت
أبوك عرف إنك ضغطت عليه وهو تعبان.
وعرف إنك فهمته إن الورق مجرد إجراء بنكي علشان القرض.
لكن لما فاق وعرف الحقيقة
راح بنفسه وألغى كل حاجة.
سامح صرخ
كدب!
أمي فتحت الظرف تاني.
وطلعت ورقة تانية.
وقالت
ودي شهادة من الشهر العقاري.
اتفضل اقرأ.
إيده كانت بتترعش وهو بياخد الورقة.
وقراها.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وكل مرة لون وشه كان بيختفي أكتر.
لأن الورقة كانت واضحة جدًا.
إلغاء نهائي لأي تنازل سابق.
وإعادة الملكية كاملة لأبويا.
السمسار قفل الشنطة بتاعته فورًا.
وقال
أنا ماليش دعوة بالموضوع ده.
وقام ومشي.
أما المحامي فبص لسامح وقال
قانونيًا البيت ما زال ضمن تركة المرحوم.
وماحدش يقدر يبيعه منفرد.
سامح قعد على الكرسي.
كأنه فجأة كبر عشر سنين.
لكن المصيبة الحقيقية ما كانتش خلصت.
لأن أمي قالت بهدوء
لسه في ورقة كمان.
المحامي رفع حاجبه.
وأنا نفسي اتفاجئت.
أمي طلعت مظروف أصغر.
وقالت
دي وصية أبوكم.
سامح رفع رأسه بسرعة.
وأول ما سمع كلمة وصية
الخوف الحقيقي ظهر في عينيه.
المحامي فتح الورقة.
وبدأ يقرأ.
وكان أبويا كاتب بخط إيده
زوجتي أم سامح لها حق السكن في البيت طوال حياتها، ولا يجوز لأي شخص إخراجها أو التصرف في العقار قبل وفاتها.
دموع أمي نزلت لأول مرة.
أما أنا فحسيت إني عايز أحضن أبويا رغم إنه مش موجود.
حتى بعد موته
كان لسه بيحميها.
سامح حاول يتكلم.
لكن صوته اختفى.
المحامي كمل القراءة
وأشهد أن ابني سامح حصل مني في حياته على ما يزيد عن نصيبه من المال والعقارات، وقد ساعدته في شراء شقته ومشروعه.
القاعة كلها سكتت.
لأن الكلام كان حاسم.
وواضح.
وبعدين وصل للسطر الأخير.
السطر اللي خلّى سامح ينهار.
وأوصي أولادي جميعًا بأمهم خيرًا، ومن يؤذيها بعد رحيلي فأنا خصيمه أمام الله يوم القيامة.
أمي غطت وشها وبكت.
بكاء مكتوم.
بكاء ست اتحملت كتير.
واتوجعت أكتر.
لكن ربنا ما ضيعش حقها.
سامح نزل عينه للأرض.
وماقدرش يبص لها.
ولا ليا.
ولا للمحامي.
في اليوم ده
ماحدش اتطرد من البيت.
بالعكس.
سامح هو اللي خرج.
ومشي من غير ما يقول كلمة.
اختفى أسابيع طويلة.
لا اتصل.
ولا سأل.
ولا حتى حضر عند أمي.
لكن بعد حوالي شهرين
خبط الباب.
فتحت أمي.
ولقته واقف برا.
وشه مرهق.
وعينيه مليانة ندم.
وأول ما شافها
بكى.
بكى زي طفل صغير.
وقال
سامحيني يا أمي.
أمي سكتت.
فكمل
كنت فاكر الفلوس أهم.
وفاكر إن البيت هيعوضني عن كل حاجة.
لكن أول ما خسرت رضاكي
عرفت إني خسرت نفسي.
أمي حضنته.
رغم كل اللي عمله.
لأن الأم
تفضل أم.
أما البيت؟
ففضل بيت أمي.
عاشت فيه مرفوعة الرأس.
وكل ما كنت أشوفها قاعدة على كرسي أبويا بعد العصر، ماسكة سبحته وبتدعيله
كنت أتأكد إن الحق ممكن يتأخر.
لكن عمره ما بيضيع.
النهايه