انا ومراتي كنا بنحوش حكايات بسمه
أنا ومراتي كنا بنحوش كل جنيه عشان نشتري شقة… ويوم ما قبضنا العربون، اختفت هي والفلوس في نفس الليلة.
في الليلة دي نمت وأنا حاسس إني أخيرًا قربت ألمس الحلم.
بعد سنين إيجار.
وسنين شغل إضافي.
وسنين وأنا ومراتي نحرم نفسنا من حاجات كتير عشان نجمع مقدم شقة صغيرة نقدر نسميها بيتنا.
فاكر وإحنا قاعدين على السفرة نعد الفلوس.
كانت مبتسمة بشكل ما شفتوش عليها من زمان.
وقالت وهي بتمرر إيديها على الرزم:
“تتخيل؟ أخيرًا هيبقى عندنا مفتاح بيت باسمنا.”
ضحكت وقتها.
وما كنتش أعرف إن دي آخر ليلة هشوف فيها الضحكة دي.
صحيت الصبح على هدوء غريب.
ناديت عليها.
ما ردتش.
دخلت الأوضة.
السرير فاضي.
فتحت الدولاب.
لقيت نص هدومها مختفي.
قلبي بدأ يدق بعنف.
اتصلت بيها.
التليفون مقفول.
رجعت اتصلت.
وبرضه مقفول.
جريت أسأل البواب.
بصلي باستغراب وقال:
“المدام خرجت بالليل ومعاها شنط يا بيه.”
رجعت الشقة وأنا مش حاسس برجليا.
فتحت الدرج اللي حاطين فيه العربون.
كان فاضي.
الفلوس كلها اختفت.
هي اختفت.
وما سابتش وراها أي تفسير.
قعدت ساعات ألف في الشقة زي المجنون.
أدور على أي حاجة تفهمني.
أي ورقة.
أي رسالة.
أي سبب.
لحد ما لمحت ظرف أبيض مدسوس تحت المخدة.
عليه بخط إيدها:
“ماتدورش عليا.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
لكن أول جملة جواه خلتني أقعد على الأرض من الصدمة:
حكايات بسمه
قرأت أول سطر في الرسالة، وكان مكتوباً فيه: "يا محمود، أنا مكنتش مرتك من البداية، أنا كنت داخلة حياتك عشان حاجة تانية خالص."
الدنيا دارت بيّا، قعدت على الأرض والظرف وقع من إيدي. قلبت الورقة بسرعة، كملت قراية والدموع محبوسة في عيني: "الفلوس اللي أخدتها دي مكنتش مقدم شقة، دي كانت تمن 'خروجي' من حياة أنت مكنتش عارف حقيقتها.
أنا كنت مبعوتة لك عشان أراقب تحركاتك في الشركة، والناس اللي كانوا بيشغلوني عرفوا إنك اكتشفتهم، فأمروني أهرب قبل ما يصفوا حساباتهم معاك، والفلوس دي هي اللي هتعيشني في مكان ميعرفوش يوصلولي فيه."
جسمي كله كان بيترعش، مش عشان الفلوس اللي راحت، ولا حتى عشان السنين اللي ضيعتها مع "وهم".. الصدمة كانت في إني عشت سنين مع إنسانة كنت فاكرها بتشاركني حلمي، وهي كانت بتشاركني "خديعتي".
قمت ووقفت قدام المراية، بصيت لنفسي، وشفت واحد تاني خالص. قعدت أفكر.. مين الناس دول؟ وليه أنا؟ بدأت أفتكر مواقف كتير في شغلي، ملفات اختفت، اجتماعات سرية، نظرات مريبة من مديري.
أنا كنت "كبش الفداء" اللي كان بيُستخدم من غير ما يحس.
بكل قوتي، مسكت التليفون واتصلت بمدير الأمن في الشركة، وبصوت مشوه من الغضب، قلت له: "أنا عارف كل حاجة.. عارف إنكم كنتوا بتستخدموني، وعارف إن مراتي كانت جاسوسة عليكم.. ولو ما ظهرتوش دلوقتي، هفتح ملفات الشركة دي للنيابة العامة، وهخليكم كلكم خلف القضبان!"
لقيت رد بارد على الناحية التانية: "يا محمود، اهدا.. مرتك مشيت لأنها خلصت مهمتها، وأنت دلوقتي في خطر أكبر بكتير مما تتخيل.. نصيحة من أخ، سيب البلد واهرب."
قفلت السكة وأنا حاسس إني في فيلم رعب، مش حياة واقعية. لكن في اللحظة دي، لقيت رسالة تانية جاتلي على التليفون من رقم غريب، فتحتها لقيت فيها صورة "مراتي" وهي مربوطة في مكان مجهول، وتحتها مكتوب: "لو عايز الحقيقة، وعايز الفلوس، وعايز مرتك اللي لسه بتحبها.. تعالى العنوان ده لوحدك."
كانت خدعة تانية، ولا المرة دي كانت حقيقية؟ بصيت للصورة، ولقيت في خلفيتها علامة "خلفية" عرفتها فوراً.. ده كان مخزن قديم كنت بشتغل فيه في بداياتي قبل ما أترقى.
أخذت سلاحاً قديماً كان والدي قد تركه لي، وخرجت أجرجر أذيال الخيبة والحذر. الطريق للمخزن كان طويلاً وموحشاً، وكلما اقتربت، كان قلبي يخبرني أنني ذاهب إلى نهايتي.
وصلت للمخزن، كان الضباب يغطي المكان. دفعت الباب الخشبي المتهالك، ودخلت. كان المكان مظلماً، لا يضيئه سوى بصيص ضوء قادم من السقف. وفجأة، سمعت صوت تصفيق بطيء..
خرج مدير الشركة من وراء الصناديق القديمة، وكان بجانبه حارسان مسلحان، وفي الزاوية، كانت "مراتي" مقيدة على كرسي، فمها مكمم، وعيونها مليئة بالرعب والحزن.
المدير (بابتسامة شيطانية): "أهلاً يا محمود.. بصراحة، ما كنتش أتخيل إنك بالذكاء ده لدرجة إنك توصل لهنا."
محمود (بصوت يزلزل المكان): "سيبها.. سيبها وأنا هنسى كل حاجة."
المدير (يضحك): "تنسى؟ أنت خلاص بقيت خطر علينا. والهانم دي.. خانت العهد وهربت بفلوسنا، فكان لازم نرجعها."
في تلك اللحظة، حدث ما لم يتوقعه أحد. مراتي، بكل قوتها، فكت قيدها -الذي كان يبدو أنها تعمدت إرخاءه- وهجمت على الحارس الأقرب لها، وأخذت سلاحه. في ثانية واحدة، تحول المخزن لساحة معركة.
صحت فيها: "محمود! اهرب!"
بس أنا ما هربتش. هجمت على المدير، وضربته بكل غيظ السنين اللي فاتت. تلاكمنا، وقعنا على الأرض، وفجأة سمعنا صوت سيرينة الشرطة تقترب.
المدير اتجمد: "إنت بلغت الشرطة؟!"
أنا (بابتسامة انتصار): "أنا مش بس بلغتهم، أنا سجلت كل اعترافاتكم من ساعة ما دخلت المخزن، والتسجيل ده دلوقتي عند وكيل النيابة."
اقتحمت الشرطة المخزن، وتم القبض على المدير وعصابته. في وسط الدوشة دي، قربت منها، كانت بتنزف من كتفها، بصت لي بنظرة خذلان ممزوجة بحب.
محمود: "ليه يا سارة؟ ليه كذبتي عليا كل السنين دي؟" (سارة.. ده كان اسمها الحقيقي، مش الاسم اللي اتجوزتها بيه).
سارة (بصوت ضعيف): "لأني بدأت أحبك بجد.. ولما حسيت إنهم هيأذوك، كان لازم أبعدك عنهم حتى لو خسرتك.. بس مكنتش متخيلة إن حبك ليا هيدفعك تخاطر بحياتك عشان تنقذني."
أخدتها للمستشفى، ومنها للنيابة. الحقيقة كلها اتكشفت، والشركة اللي كنت شغال فيها كانت غطاء لعمليات غسيل أموال دولية. أنا طلعت بريء تماماً، وشهاداتي كانت هي السبب في إسقاط العصابة.
بس سارة.. كان لازم تتحاكم. القانون مبيفرقش بين اللي "مُجبر" واللي "شريك". حكموا عليها بالسجن، بس وعدتها إني هستناها.. لأن اللي شفته في عيونها يوم المخزن، ما كانش تمثيل.
بعد سنين، خرجت. كنت مستنيها قدام باب السجن. ما رجعناش لبيتنا القديم، ولا لحياتنا القديمة. بدأنا من جديد، بعيد عن الفلوس، وبعيد عن الأسرار.
**الدرس اللي اتعلمته: إن أغلى "عربون" مش فلوس شقة، هو "عربون الثقة" اللي لما بيتكسر، بيحتاج سنين عشان يتبني تاني، لكن لو اتنين بجد بيحبوا بعض، ممكن يرجعوا يبنوا فوق الركام.**
**تمت.**