حماتي جابت اخت جوزي

لمحة نيوز

إيه اللي جاب وصفة أمي عندك في المخبز؟ سألت الراجل الغريب، فناولها كارت وصفة قديم
كانت أكلت الكيكة دي مئات المرات وهي صغيرة.
نفس التفاح المتقطع، نفس رشة الحبهان، ونفس العجينة اللي كانت أمها بتفردها بإيديها وتعملها طبقة طبقة.
بس عمرها ما شافت الوصفة دي معروضة للبيع في أي مكان.
لحد صباح يوم عادي، وهي داخلة مخبز صغير في شارع جانبي في مصر الجديدة عشان تجيب قهوة وقطعة جاتوه، لمحت حاجة خلتها تقف مكانها.
تحت قُبّة زجاجية، في واجهة العرض، كانت فيه نفس الكيكة.
نفس الشكل.
نفس الريحة.
نفس الطعم اللي عالق في ذاكرتها من أيام طفولتها.
قربت مريم من الواجهة، وبصت للكيكة كام ثانية كأنها مش مصدقة عينيها.
وبعدين رفعت عينيها للراجل اللي واقف ورا الكاونتر.
وقالت بصوت مليان استغراب
إنت جبت وصفة أمي منين؟
الراجل سكت لحظة، وبص لها باستغراب.
وصفة والدتك؟
أيوه. الكيكة دي بالذات دي وصفة أمي. أنا عارفاها كويس.
الراجل مسح إيده في فوطة المطبخ، وقال بهدوء
هي اللي ادهالي.
مريم اتجمدت مكانها.
مين؟
والدتك.
حست إن قلبها دق دقة زيادة.
إنت تعرف أمي؟
الراجل ما ردش على طول.
دخل ناحية المطبخ، واختفى كام دقيقة، وبعدين رجع وهو ماسك كارت وصفة قديم، متبهدل من الأطراف ومحطوط جوه جراب بلاستيك شفاف.
مده لها.
اتفضلي شوفي بنفسك.
مريم مسكت الكارت بإيد بتترعش.
وأول ما عينها وقعت على الخط، عرفت فورًا إنه خط أمها.
مستحيل تغلط فيه.
حروف الراء الكبيرة اللي كانت أمها بتكتبها بطريقة مميزة، الكسور اللي كانت بتميل ناحية اليمين، وحتى كلمة معلقة صغيرة اللي كانت دايمًا تختصرها بنفس الطريقة.
قلبت الكارت.
وفي آخره، تحت اسم أمها، كان فيه سطر مكتوب بخط إيدها
يا حسن، لما يبقى عندك مطبخك الخاص.
مريم رفعت عينيها للراجل.
إنت اسمك حسن؟
هز راسه.
أيوه.
بصت تاني للكارت.
وفي الركن السفلي كان فيه تاريخ مكتوب بالقلم
١٤ سبتمبر ٢٠١١.
مريم فضلت باصة للتاريخ.
سنة ٢٠١١.
كانت وقتها عندها ستاشر سنة.
وفجأة بدأت ذكريات قديمة ترجع لها واحدة ورا التانية.
أبوها كان طول الوقت تقريبًا مسافر بحكم شغله.
وأمها كانت بتقضي معظم أمسياتها في البيت.
أو على الأقل ده اللي مريم كانت فاكرته طول عمرها.
رفعت رأسها ببطء وقالت
إنت اتعرفت على أمي إزاي؟
حسن اتردد.
وبعدين قال
كانت بتدرس كل خميس بالليل في مطبخ خيري تابع لجمعية أهلية في شبرا.
مريم عقدت حواجبها.
أمي؟
أيوه.
ماما عمرها ما درست طبخ.
حسن ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
ساعتها كانت بتعمل كده. تقريبًا لمدة سنة كاملة.
مريم سكتت.
سنة كاملة؟
سنة كاملة من حياة أمها ما كانتش تعرف عنها أي حاجة.
أمها اللي كانت دايمًا بتقول إنها ما بتحبش حد ياخد وصفاتها.
وأمها اللي لما مريم اقترحت عليها زمان تعمل كتاب وصفات أو حتى تبيع الكيكة دي، رفضت بعصبية وقالت لها
الأكل ده بيتعمل للناس اللي بنحبهم، مش عشان يتحول لتجارة.
لكنها، في نفس السنة، كانت بتدي وصفتها لشاب غريب ما تعرفوش كويس.
شاب كان عمره وقتها واحد وعشرين سنة، وبييجي يتطوع في المطبخ الخيري ضمن ساعات الخدمة المجتمعية المطلوبة منه.
مريم بصت لحسن وسألته
ليه أمي اديتك الوصفة دي؟
المرة دي، حسن ما جاوبش.
بس بص للكارت اللي في إيدها.
وقال بهدوء
دي مش كل الحكاية.
مريم حسّت بقشعريرة في جسمها.
يعني إيه؟
حسن بص ناحية المطبخ، وبعدين رجع بص لها.
لو والدتك ما كانتش عايزة إني أحكي، أنا ما ينفعش أحكي من نفسي.
مريم قربت خطوة.
أمي ماتت من أربع سنين يا حسن.
سكت لحظة.
وبعدين أضافت
ولو كانت مخبية عني حاجة فأنا من حقي أعرف.
حسن فضل ساكت.
ومريم لأول مرة بدأت تسأل نفسها
إيه اللي كانت أمي بتعمله كل خميس لمدة سنة كاملة من غير ما حد في البيت يعرف؟
وإزاي وصفة كيكة بسيطة قدرت تفتح باب على سر عمره خمستاشر سنة؟
مريم دخلت المخبز وهي عايزة فنجان قهوة.
لكنها خرجت وهي معاها صورة لوصفة قديمة، وذكرى منسية، وسؤال عن أمها...
سؤال كان هيقلب كل حاجة كانت فاكرها عن عيلتها رأسًا على عقب.
والحكاية لسه في أولها
..
حسن بلع ريقه، وبص حواليه في المخبز الفاضي إلا من ريحة القهوة والفرن، وبعدين قرب من الكاونتر ووطى صوته كأنه خايف الحوائط تسمعه. قالها بنبرة فيها تردد واضح تعالي اقعدي يا مريم... القهوة بتاعتك على حساب المحل، وخلينا نتكلم كلمتين بجد.
مريم مشيت وراه بخطوات بطيئة، كأن رجليها متشبتة في الأرض، وقعدت على الترابيزة الصغيرة اللي جنب الوازاز. حطت كارت الوصفة قدامها على الترابيزة وبصت له وهي بتقول بحماس جواه خوف اتكلم يا حسن... أنا سامعاك، ومستحيل أمشي من هنا من غير ما أفهم أمي كانت بتعمل إيه.
حسن قعد على الكرسي اللي قصادها، وشبك إيديه في بعض وقعد يبص في الفراغ كأنه بيسترجع شريط قديم. تنفس بعمق وقال يوم خميس من أواخر 2011، كنت في أسوأ فترة في حياتي. كنت صايع، متهور، وعامل مصيبة دخلتني الأحداث فترة، ولما طلعت، القاضي حكم عليا بساعات خدمة مجتمعية في مطبخ خيري بشبرا. كنت رايح وأنا كاره نفسي وكل العالم، وحاسس إني إنسان فاشل مالوش أي قيمة.
سكت لحظة، وعيونه لمعت بذكريات قديمة، وكمل أول يوم دخلت فيه المطبخ كنت تايه، خايف أمد إيدي في حاجة عشان مابوظهاش. وفي وسط الزحمة والدوشة، ظهرت والدتك. كانت ست هادية، صبورة، وشها منور برضا غريب. شافتني واقف في الكورنر متردد، قربت مني وقالتلي بصوت دافئ الخوف مش هيعلمك
يا بني، مد إيدك وساعدني نقطع التفاح.
مريم فتحت عينها باستغراب وقاطعتك بصوت خافت أمي؟ ماما كانت إنسانة كتومة وعصبية ساعات، وماكنش أبدًا بيعجبها شغل العيال الصغيرة.. إزاي ساعدتك؟
حسن ابتسم بحنين وقال لأنها شافت فيا اللي مكنش حد تاني طايق يشوفه؛ شافت إنسان تائه مش عيل مجرم. ومن اليوم ده، وبدل ما كانت بتيجي تطبخ وتمشي، بقت تقعد معايا ساعتين زيادة بعد ما الكل يمشي. كانت بتعلمني مش بس إزاي أعمل كيكة التفاح دي، دي كانت بتعلمني الصبر، إزاي أعجن العجين بهدوء عشان يطلع حلو، وإزاي لما أغلط ما أزعلش وأعيد من أول وجديد.
مريم نزلت دمعة صغيرة على خدها وهي متخيلة أمها الساكنة الهادئة وهي بتعمل كده في السر، وسألت بصوت بيترعش وليه خبت عننا؟ ليه طول عمرها كانت بتقول إنها بتكره التجارة في الأكل، وتيجي هنا تديك الوصفة وتكتب لك عليها الاسم ده؟
حسن مد إيده ومسك كارت الوصفة براحة، وبص للسطر الأخير وقال يوم ما الكارت ده اتكتب، كان آخر يوم ليا في الخدمة المجتمعية. كنت بفتح أول مشروع صغير ليا، مطعم منقوشة ومعجنات قديم وصغير في حتة شعبية. جابت لي الكارت ده في ظرف مقفول، وقالت لي بالحرف الواحد الناس بتعجن العجين عشان تاكل يا حسن، بس أنت هتعجنه عشان تبني نفسك من جديد. الوصفة دي سرّي، بس أنا أمنت عليها عندك، لأنك بقيت زي ابني اللي مش مخلفاه.. ولما يبقى عندك مطبخك الخاص، طلّع ريحة الحبهان دي عشان تفكرك إنك إنسان جديد.
مريم حست بغصة في ضلمة زورها. أبوها كان مسافر دايمًا وبيبعت فلوس اه، بس أمها كانت حاسة بالوحدة.. وحدة كاملة وسط بيت فيه بنت وزوج مسافر. سنة كاملة كانت أمها بتعوض فيها إحساس الأمومة والعطاء مع شاب ضال لقى فيها طوق نجاة، في الوقت اللي بنتها الوحيدة كانت فاكرة إنها قاعدة في البيت لوحدها بتتفرج على التلفزيون أو بتقرأ كتاب!
مريم مسحت دموعها بسرعة، وبصت لحسن وقالت بصوت جاد وثابت يعني الكيكة دي.. مش مجرد أكل؟
حسن وقف، وابتسم ابتسامة دافئة وهو بيبص لواجهة المحل دي مش كيكة يا مريم.. دي روح والدتك اللي لسه عايفة وبتأكل الناس الطيبين لحد النهارده. تعالي ورايا.
قام حسن ودخل المخبز، ومريم قامت من غير تردد ودخلت وراه للمطبخ لاول مرة، وكأنها رايحة تقابل أمها هناك من جديد.. مش عاوزه تسأل أسئلة تاني، بس عاوزه تلمس نفس الطاولة اللي كانت إيد أمها بتلمسها من خمستاشر سنة.
رائحة الحبهان والقرفة كانت مالية جو المطبخ الضيق، وريحة الفرن الدافية كأنها بتحضن مريم أول ما دخلت. بصت حواليها في المكان؛ ترابيزات استانلس نظيفة، أطباق فيها تفاح مقطع، وصينية تانية لسه خارجة حالا من الفرن بنفس الشكل واللون اللي حافظاه عن ظهر قلب.
مريم وقفت في نص المطبخ، حاسة بقلبها بيدق بسرعة كأنها بتعمل جريمة، أو كأنها بتفتح باب مقفول بقالها سنين طويلة. بصت لحسن اللي وقف جنب الترابيزة وفتح درج قديم، وطلع منه كيس قماش قديم ومركون.
تعرفي دي إيه؟ سألها حسن بصوت خافت وهو بيطلع كشكول صغير لونه أصفر وورقه أصفر من العتيق.
مريم كبرت عينيها وقالت بصوت مسموع بالكاد ده.. ده كشكول ماما؟!
مش بس كشكولها قال حسن وهو بيفتح الكشكول بحرص شديد كأنه بيتعامل مع زجاج مكسور دي أجندة سرية كانت بتسجل فيها كل الوصفات اللي كانت بتعملها معايا في السنة دي.. ومش بس كده، دي كانت بتكتب ملاحظات عن كل خطوة أنا كنت بقوم بيها، وكأنها بتراقبني وبطمن عليا زي أي أم خايفة على ابنها.
مريم قربت خطوة بخطوة، ومدت إيدها لمست الورق بحذر. وقعت عينها على صفحة مفتوحة، ولقيت بخط إيد أمها الواضح والجميل حسن النهارده اتعلم يعجن بهدوء.. عصبيته بدأت تهدى، وفهم إن العجين محتاج صبر مش عافية. عندي إحساس إنه هيكون ليه شأن كبير.
دموع مريم نزلت سخنة على خدها، بس المرة دي ما كانتش دموع حزن ولا صدمة.. كانت دموع امتزجت بفخر غريب وفضول أشعل جواها نار تانية. رفعت عينيها لحسن وقالت بصوت جاد وبيهتز حسن.. أمي ماتت مفقودة حقها في حاجات كتير، وأنا كنت فاكرة إني أعرف عنها كل حاجة. بس الواضح إن فيه حاجات تانية كتير خبتها عننا.. عني وعن بابا. السطر الأخير في الكشكول ده.. أو آخر صفحة كتبت فيها.. إيه هي؟
حسن بص للصفحات الأخيرة في الأجندة، ووشه اتغير فجأة. لمعة الخوف والتأثر اتحولت لجمود مفاجئ، وكأنه لقى حاجة ما كانش عايز مريم تشوفها. قفل الكشكول بسرعة وحطه وراء ظهره وقال بصوت مأزوم مريم.. لحد هنا وكفاية. اللي جاي مش حكايتي أنا، دي حاجة تخص عيلتك لوحدكم، وأنا كتر خير اللي قلته.
مريم اتصدمت من رد فعله، ووقفت في طريقه لما جه يعدي، وقالت بصوت حازم وجواها بركان بيغلي تخلص إزاي وأنا واقفة جوه سر أمي؟! إنت خايف من إيه يا حسن؟ وليه أمي كانت بتكتب حاجات تخصنا إحنا وما نعرفهاش؟ إنت خافي إيه تاني عني؟
حسن بص حواليه بتوتر، ولسه هيرد، لقى باب المخبز الجانبي اللي بيطلع على الشارع الخلفي بيترزع بعنف، وصوت خطوات سريعة وثقيلة بتقرب من المطبخ.. خطوات كأن صاحبها
كان بيراقبهم بره ومستني اللحظة المناسبة عشان يدخل!
مريم التفتت بسرعة لمصدر الصوت، ووقف قلبها مكانها لما لقت شخص واقف عند باب المطبخ، وباصص لهم بنظرة خلت الدم يقف في عروقها..
الراجل اللي واقف عند باب المطبخ ما كانش غريب عن عيون مريم ده كان خالد، جوز خالتها، اللي المفروض إنه مسافر من سنين وبيزور مصر نادرًا جدًا.
مريم اتجمّدت مكانها، وبصت له بصدمة خالو خالد؟! إنت جيت امتى من السفر؟ وإيه اللي جابك هنا؟
خالد بلع ريقه، وبص لحسن بنظرة حادة كأنه بيحذره، وبعدين رجع بصه لمريم وبابتسامة متوترة حاول يخفيها أنا لسه واصل امبارح يا مريم.. وكنت ماشي في الشارع الصدفة، شفتك داخلة المخبز ده، فدخلت أسلم عليكي.. بس إيه اللي جابك هنا؟ وإيه الكشكول اللي في إيد حسن ده؟
طريقة كلام خالد ووقفته المرتبكة ما عجبوش مريم خالص. أحساسيس الغموض والشك اللي بدأت مع كارت الوصفة كبرت ألف مرة في ثواني.
مريم بصت للكشكول اللي حسن خايف يوريهولها، وبصت لخالد اللي ظهر في المكان والغرض منه مجهول، وقالت بصوت صارم ومليان تحدي جاي أسلم؟! في مخبز مقطوع في شارع جانبي الساعة الصبح بدري؟ وبعدين إيه النظرة دي يا خالو؟ كأنكم كنتوا متفقين تقابلوا بعض هنا!
حسن بص لخالد وقال بصوت واطي ومشدود أنا ما قلتلهاش حاجة يا بشمهندس خالد.. هي اللي دخلت ولقيت الكارت لوحدها.
خالد ضيق عينيه وبص لحسن بغضب خفي، وبعدين قرب خطوة من مريم وقال بحنية مصطنعة يا بنتي بطلي عصبيتك دي، أمك الله يرحمها كانت ست طيبة وما تحبش المشاكل، وتعالي روحي معايا البيت عشان تفهمي كل حاجة بهدوء من غير صياح في الشارع.
مريم رجعت خطوة لورا، ورفعت كشكول أمها في إيدها وقالت بنبرة حاسمة ولا خطوة زيادة يا خالو.. البيت ده والسر اللي خابينه عني تلات سنين، أنا هعرفه هنا دلوقتي حالا. يا إما حسن يكمل اللي بدأه، يا إما أنا بنفسي هفتح الصفحة الأخيرة دي وأعرف ماما كانت كاتبة إيه عنكم كلكم!
خالد بص للكشكول في إيدها، والدم تقّل في عروقه، ومد إيده بسرعة عشان يخطفه منها، بس حسن نط في النص ووقف قدامه بحسم وقال بصوت عالي عفواً يا بشمهندس.. الكشكول ده أمانة معايا، ومريم ليها الحق الكامل تفهم كل كلمة فيه!
في اللحظة دي، مريم بصت للكشكول، وبسرعة البرق، فتحت الصفحة الأخيرة المكتوب عليها بخط إيد أمها الواضح خالد.. أنا مش هسكت تاني على اللي بتعمله في ميراث البنات، ولو لزم الأمر، كل المستندات هتكون في إيد القضاء، ومش هندفن الحقيقة مع جوزي وهو غايب.
مريم قرت السطور وعيونها اتملت بالدموع والصدمة، ورفعت رأسها لتبص لخالد اللي وشّه أصفر وبان عليه الرعب!
.
خالد وقف مكانه، وعيونه طايرة من الرعب وهو شايف مريم بتقرا الكلمات الأخيرة بعينين متسعة من الصدمة. قبل ما مريم تنطق بحرف واحد، اتدخل حسن بسرعة ووقف قدامها عشان يمنع أي حركة طيش من خالد، وبص لمريم وقال بصوت هادئ ومؤثر استني يا مريم.. اهدي، وأنا هحكي لك كل حاجة من الأول، وكل نقطة سودا هتتوضح قدامك دلوقتي.
حسن أخذ نفس عميق وبدأ يسترجع الحكاية من نقطة البداية، وكمل كلامه بلغة مصرية صافية وسلسة تعرفي الكشكول ده وصل لي إزاي؟ في يوم من الأيام، وأنا لسه ببتدئ أفتح المحل البسيط ده، كنت واقف بجهز العجين لوحدي، لقيت الباب بيخبط بعد المغرب بشوية.. فتحت، ولقيت والدتك الله يرحمها واقفة وباين عليها التعب الشديد. دخلت وقعدت هنا على الكرسي ده، ومدت إيديها بالكشكول وقالت لي يا حسن، أنا كتبت في الكشكول ده كل حاجة تخصني.. تعبي، صبري، وسري اللي محدش يعرفه غير ربنا. وأنا خايفة إن خالد يوصل لكل أوراق جوزي المسافر ويمسح حقكم كلكم. وساعتها طلبت مني أحتفظ بالكشكول ده عندي في مكان أمين، ومفتحهوش أبدًا إلا لو حصل حاجة وجت هي بنفسها.. أو لو جه يوم ومريم ظهرت هنا.
مريم بصت لحسن ودموعها في عيونها بتلمع، وقاطعت كلامه وقالت بصوت مهتز يعني.. يعني إنت كنت عارف من الأول إن أمي كانت خايفة من خالد؟!
قبل ما حسن يرد، خالد نطق بصوت عالي وعصبي ووشه أحمر من الغضب إنتي بتسمعي لكلام عيل صايع كان بياخد منها دروس في الطبخ؟! أمك كانت ست خيالية ومريضة بالوسواس، وكانت بتخترع مشاكل ملهاش أي أساس من الصحة بخصوص الميراث والأوراق! الكشكول ده كله أكاذيب، وهاتي هنا أحسن ما أعمل فضيحة في الشارع.
حسن ما سكتش، وبص لخالد بعينين مليانة تحدي وقال فضايح إيه يا بشمهندس؟! إنت ناسي إزاي إنت وحسن تعرفتوا على بعض من الأساس في نفس السنة؟ ولا فاكرني ناسي لما كنت بتيجى تستقوى على الست الفقيرة دي في المطبخ الخيري وتساومها على أوراق أرض أبوها وميراث بناتها، وهي كانت بتطردك بكل قوة؟ أنا شفتك بعيني يا خالد بيه وأنت بتهددها، ووالدتك كانت بتسجل كل تهديد وكل مليم كنت بتحاول تسرقه من وراء جوزها المسافر في الكشكول ده!.
مريم اتصدمت أكتر، وبصت لخالد اللي عروقه ظهرت في رقبته من شدة الغيظ والخوف، وقالت بصوت مرعب من شدة الهدوء يعني الحكاية ما كانتش مجرد سرقة أكل ولا كيكة تفاح..
دي كانت حرب تانية خالص دارت جوه المطبخ الخيري ده من سنين، وأنا كنت غرقانة في جهلي وعايشة في مية البطيخ؟!.
خالد حس إن الأرض بتميد من تحت رجليه، وإن السر اللي تعب سنين يدفنه بقى قدام عين مريم وبكل مستنداته وكلمات الأم اللي ما بتموتش. حاول يمد إيده بقوة عشان يخطف الكشكول ويجري، بس حسن كان أسرع منه، وشد مريم لورا وضرب خالد بكتفه رجعه لوراء، وفي اللحظة دي.. صوت صفارة شرطة بدأت تقترب من الشارع وتعلى تدريجيًا، وكأن الحكاية دخلت في فصل حاسم ومفاجئ مكنش على الخريطة خالص!
..
صوت صفارة الشرطة بقى أعلى وقرب لحد ما العربية وقفت قدام باب المخبز بالظبط. خالد وشّه جاب ألوان، وبص لبره برعب، خصوصًا لما شاف ضباط نازلين باتجاه المحل. بص لمريم وحسن بنظرة تهديد أخيرة وقال بصوت مقطوع ندمانين.. كلكم هتندموا، وجري ناحية الباب الخلفي يهرب، بس لقى قدامه مخبرين كانوا محاصرين الظهر من بدري.
مريم وقفت مكانها مش تصدقة اللي بيحصل، وبصت لحسن وهي بتنهج. حسن ابتسم لها بهدوء وطلع هاتفه من جيبه وقال بصوت واثق حق أمك مبيضيعش يا مريم. أنا كنت بلغت المباحث ومعايا المستندات اللي أثبتت تورط خالد في تزوير أوراق الميراث من سنين، ووالدتك الله يرحمها هي اللي جمعت لي الإثباتات دي خطوة بخطوة عشان تحميكم.
دخل الضابط المسؤول المخبز، وبص لمريم اللي كانت ماسكة الكشكول بإيدين بتترعش، وطلب منها تتجه معاه للقسم عشان تثبت الأقوال وتقدم الأجندة كدليل رسمي.
في القسم، وبعد ساعات طويلة، ظهر الحق وانكشفت خبايا سنين طويلة من طمع خالد اللي حاول يستغل سفر الأب عشان يسرق أملاك العيلة، بينما كانت الأم البسيطة في ظاهرها، تحارب في الخفاء وبتسجل كل حرف وبتعلم شاب تائه إزاي يكون سند حقيقي عشان في يوم من الأيام يحمي حق بنتها.
بعد أسبوع، مريم وقفت قدام واجهة المخبز الصغير في مصر الجديدة. فتحت الباب، واستقبلتها نفس ريحة الحبهان والتفاح الدافية. بصت لحسن اللي كان واقف بيعجن العجين بصبر وهدوء، زي ما علامته أمها زمان.
طلبت فنجان قهوة وقطعة جاتوه، وقعدت على نفس الترابيزة، وهي حاسة ولأول مرة من سنين طويلة إن أمها مش غائبة.. دي قاعدة قصادها في ريحة المخبوزات، وفي كل تفصيلة صغيرة رجعت لها الحياة من تاني.

تم نسخ الرابط