اللي حصل بعدها كسر عقلي حصريا لموقع لمحه
دفنتُ أمي الساعة الرابعة عصرًا.
كان الجو كئيب، والناس حواليا بيتكلموا بصوت واطي كأنهم خايفين يزعجوا الاموات .
رميت أول حفنة تراب بإيدي، وكنت متأكدة إن اللحظة دي هي نهاية كل شيء.رجعنا الشقة.
البيت كان فاضي بطريقة تخوّف…
ريحة عطرها لسه في الهوا،
شبشبها جنب السرير،كوباية الشاي اللي ما لحقتش تشربها.قعدت على الكنبة وأنا حاضنة موبايلي.
مش عارفة ليه…
يمكن علشان آخر حاجة كانت بتعملها دايمًا هي إنها تكلميني.
الساعة كانت 6:12
لما الموبايل اهتز.
رسالة واتساب.
من رقم محفوظ عندي باسم:
ماما
فتحتها وأنا بضحك ضحكة عصبية:
أكيد حد من قرايبنا بيلعب في الموبايل
لكن الرسالة كانت:
“إوعي تصدقي إني مِتّ.”
دمي اتجمّد.
كتبت بسرعة:
“مين؟”
الرد جه فورًا:
“انتي دفنتيني بإيدك… وده اللي وجعني.”
وقفت.
بصّيت حواليا.
الشقة كانت مقفولة.
المفتاح معايا.
وأمي… كانت تحت التراب.
كتبت:
“ده هزار تقيل. مين بيلعب في تليفونها؟”
جالي فويس.
ضغطت تشغيل.
وكان صوتها.
نفس نبرتها، نفس النفس القصير في آخر الكلام، نفس الطريقة اللي بتنطق بيها اسمي.
“أنا ما موتش يا بنتي… أنا اتدفنت.”
وقعت الموبايل من إيدي.
جريـت على الدولاب.
فتحت شنطتها.
الموبايل بتاعها…
كان هناك.
مقفول.
مش فيه شريحة.
رجعت أبص في موبايلي.
الرقم اللي بيكلّمني
مش هو رقمها الحقيقي.
لكن بيكلّمني بصوتها.
جالي مسج تاني:
“مش هينفع أطلع لوحدي. لازم ترجعيلي قبل ما…”
وقفت الرسالة.
كتبت وأنا برتعش:
“قبل ما إيه؟!”
ثواني.
دقيقة.
ولا رد.
وبعدين…
كانت إيديا بترتعش وأنا باقفل الموبايل.
مش هنهار.
مش هخاف.
في حاجة غلط… ولازم أفهمها.
لبست وخرجت.
رجعت المقابر لوحدي.
الليل كان نازل،
والهوا تقيل كأنه مليان أسرار.
وقفت قدام قبر أمي.
التراب كان هادي.
مفيش أي علامة إن حد اتحرك تحته.
فتحت الموبايل.
الرقم لسه موجود.
كتبت:
“لو إنتي أمي بجد… قوليلي سر محدش يعرفه.”
جالي الرد:
“انتي مش بنتي.”
شهقت.الرسالة التانية جات فورًا:
“أنا ربيتك… بس مش أنا اللي خلفتك.”
الأرض مالت تحت رجليا.
“أبوك الحقيقي مات قبل ما تتولدي.
وأنا أخدتِك علشان أحميك من اللي كانوا هيقتلوك.”
حاولت أتنفس
كتبت:
“مين كانوا؟”
الرد كان بطيء…
كأنه متردد.
“العيلة اللي دفنتني النهارده.”
رجعت بصيت على باب المقبرة.
كان فاضي.
لكن فجأة…
سمعت خطوات.
وهمس ورايا:
“بتكلمي مين؟”
لفّيت.كان خالي.
اللي كان ماسك النعش بإيده من ساعتين.
وفهمت في اللحظة دي
إن أمي ما كانتش بتكلّمني علشان أنقذها…
كانت بتكلّمني
علشان أنقذ نفسي.
خالي كان واقف قدامي.
نفس الابتسامة اللي كان بيواسي بيها الناس في العزا.
نفس الإيد اللي كانت بتربّت على كتفي وهو بيقول:
“شدّي حيلك يا بنت أختي.”
بس دلوقتي…
الصوت اختلف.
“بتكلمي مين؟”
خبيت الموبايل ورا ضهري.
“ولا حد… كنت بكلم نفسي.”
ابتسم.
ابتسامة ضيقة ما وصلتش لعينيه.
“مش وقت كلام لوحدك هنا. المقابر مش آمنة.”
ضحكت في سري.
اللي مش آمن مش المكان…
اللي مش آمن هم.
مشيت معاه.
وأنا سامعة في دماغي صوت أمي:
“لو رجعوا يقرّبوا منك… يبقى عرفوا.”
ركبنا العربية.
هو كان سايق.
وأنا ماسكة شنطتي كأنها طوق نجاة.
قلت بهدوء مصطنع:
“هو… ماما كانت بتشتغل إيه قبل ما تموت؟”
لفّ عليّ بنظرة سريعة.
“ليه السؤال ده؟”
“مجرد فضول.”
سكت شوية…
وبعدين قال:
“مش لازم تعرفي.”
ابتسمت.
وأنا شايفة الرسالة اللي على موبايلي:
“قولي له عن الحساب.”
قلبي دق.
قلت:
“حساب إيه؟”
شد الفرامل فجأة.
العربية وقفت.
بصلي.
“إنتي سمعتي إيه؟”
في اللحظة دي فهمت.
ماما ما ماتتش…
اتسكتت.
فتحت الموبايل قدامه:
“سمعت كل حاجة.”
وشفت لأول مرة
الخوف الحقيقي في عينه.
العيلة كلها…
كانت عايشة على فلوس أمي.
فلوس مش مفروض تكون معاها أصلاً..
وأنا؟
كنت الشاهدة اللي لازم تختفي.
لكن أمي…كانت مسبقالهم بخطوة.
خالي ما حاولش يمسك الموبايل.
ولا يصرخ.
ولا ينكر.
هو بس قال بهدوء مخيف:
“إنتي طلعتي شبهها أوي.”
عرفت ساعتها إن أمي كانت أخطر منهم كلهم.
وصلنا البيت.
دخلت وأنا ماسكة الموبايل في إيدي.
الرسائل اختفت.
الرقم اختفى.
كأن أمي عملت مهمتها ومشيت.
فتحت اللابتوب.
دخلت على الإيميل اللي ما كنتش أعرف بوجوده.
كل حاجة كانت هناك:
حسابات.
تحويلات.
أسماء.
وتسجيلات بصوتهم.
أمي كانت عايشة معاهم…
لكن ضدهم.
وفي آخر رسالة مسجلة ليّ قالت:
“لو بتسمعي ده… يبقى أنا مشيت.
بس دورك لسه ما خلصش.”
بلغت عنهم.
واحد ورا التاني…
العيلة اللي كانت بتدفن الناس بالفلوس
اتدفنت بالقانون.
خالي حاول يهرب.
ابن خالتي انهار.
وكل اللي كانوا واقفين في العزا
بقوا واقفين في القفص.
أما أنا؟
رجعت قبر أمي.
حطيت إيدي على التراب وقلت بهمس:
“أنا فهمت.”
والموبايل اهتز في جيبي.
إشعار واحد بس:
“أنا كده ارتحت.”