قصه روعه

لمحة نيوز

اتبنيت بنت صغيرة. وبعد 23 سنة، في يوم فرحها، واحدة غريبة شدتني على جنب وقالتلي:
“إنت ما عندكش أي فكرة هي مخبّية عنك إيه.”

أنا راجل عندي 55 سنة. من أكتر من 30 سنة، خسرت مراتي وبنتي الصغيرة في حادثة عربية. في ليلة واحدة، حياتي كلها اتهدت.
بعدها ما كنتش عايش بجد… كنت بس بكمل أيامي، شايل الحزن ورايا في أيام فاضية.

بعد سنين، قررت أتبنّى طفل. كنت عايز أدي حبي لطفل محتاجه بجد.
دخلت دار أيتام وأنا مش عارف بدوّر على مين بالظبط… لحد ما شوفتها.

بنت صغيرة كانت قاعدة لوحدها جنب الشباك، على كرسي متحرك. أول ما رفعت عينيها وبصّتلي، حسّيت حاجة جوايا اتكسرت. كانت شبه بنتي اللي ماتت… شبهها قوي.

المشرفة قالتلي إن محدش عايزها. أبوها مات في حادثة، وأمها سابتها ومشيت.
اسمها كان مريم، وعندها خمس سنين.

اتعلّقنا ببعض من أول لحظة. كنت متأكد إنها بنتي.
بنينا حياة سوا، وبقت هي دنيتي كلها.

مريم كبرت وبقت بنت ذكية، طيبة، واثقة في نفسها. حبت زميلها في الكلية وقرروا يتجوزوا، وفرحهم كان جميل.
وأنا واقف بتفرج عليها يومها — منوّرة، قوية، وحواليها ناس بتحبها — كنت فخور بيها فخر ما يتوصفش.

وفجأة، وسط الزحمة، لمحت ست واقفة عند باب القاعة، شكلها مش من المكان. كانت بتبص حواليها بتوتر. افتكرتها تبع العريس.
وأنا رايح أعرض المساعدة، شافتني وجت عليّ على طول.

ما عرّفتش نفسها. بس قالتلي نطلع على جنب.
إيديها كانت بترتعش وهي بتتكلم.

قالتلي:
“أنا عارفة إننا منعرفش بعض، بس لازم تسمعني… الموضوع ده يخص بنتك.”

قلبي اتقبض.
وكمّلت:
“إنت ما تعرفش أي حاجة عن اللي هي مخبّياه عنك. في حاجة بشعة في ماضيها… ولازم تعرف الحقيقة كلها.”
الست دي كان صوتها واطي بس حاد، كأنه نصل بيقطع في هدوء الليلة. سحبتني لزاوية بعيدة عن صوت المزيكا والضحك اللي مالي القاعة. كنت شايف مريم من بعيد وهي بترقص مع عريسها، ضحكتها كانت صافية لدرجة خلتني مش مصدق إن الست دي بتتكلم عن نفس البنت.

الست بصتلي بعيون مليانة خوف وندم وقالت:

"أنا كنت شغالة ممرضة في المستشفى اللي مريم راحتلها وهي عندها 5 سنين.. قبل ما تروح دار الأيتام. إنت فاكر إن أمها سابتها ومشيت؟ ده اللي اتقالك في الورق، صح؟"

هزيت رأسي ببطء، ريقي نشف. كملت هي:

"أمها ماسابتهاش.. أمها خافت منها. مريم ما كانتش ضحية حادثة عادية يا أستاذ. مريم هي اللي تسببت في الحادثة اللي مات فيها أبوها. كانت طفلة، أيوة، بس اللي حصل يومها كان بشع. مريم كانت بتعاني من نوبات غضب غير طبيعية، وفي يوم وهما عالطريق، عملت حاجة خلت العربية تتقلب. والأبشع من كده.. إن مريم طول السنين دي مش ناسية، هي فاكرة كل لحظة، وفاكرة إنها السبب، ومخبية الحقيقة دي ورا وش الملاك اللي إنت شايفه."

وقعت الكلمات عليّ زي الصاعقة. مريم؟ بنتي اللي ربيتها على الحنية؟ اللي ما بتأذيش نملة؟

الست كملت وهي بتطلع ظرف قديم من شنطتها: "دي تقارير طبية قديمة كانت هتتحرق، أنا احتفظت بيها لأني كنت حاسة إن الحقيقة لازم تظهر في يوم. مريم مش بس بتخبي ماضيها، مريم بتخبط في أبواب ناس من الماضي بقالها شهور.. هي بتدور على أمها مش عشان تصالحها، هي بتدور عليها عشان..."

وقطعت كلامها فجأة لما شافت مريم جاية علينا.

مريم كانت شايلة فستانها وبتقرب بابتسامة، بس أول ما شافت الست، ملامحها اتغيرت تماماً. الابتسامة اختفت، وعينيها لمعت بنظرة عمري ما شوفتها قبل كده.. نظرة باردة، خالية من أي مشاعر، وكأن البنت اللي قدامي دي حد تاني خالص.

قربت مريم، وقفت قدام الست وقالت بصوت هادي ومرعب:

"إنتي إيه اللي جابك هنا؟ مش اتفقنا إن الحساب اتقفل؟"

الست رجعت خطوة لورا وهي بترتعش، وبصتلي نظرة أخيرة وجريت من القاعة.

لفيت لمريم، كنت حاسس إن الأرض بتلف بيا. سألتها وصوتي بيتهز:

"مريم.. الست دي بتقول إيه؟ يعني إيه الحساب اتقفل؟ وإيه اللي حصل زمان يا بنتي؟"

مريم بصت في عيني لثواني طويلة، الصمت كان أتقل من الجبال. وفجأة، رجعت ملامحها لطبيعتها، وعينيها اتملت دموع، ومسكت إيدي بقوة وقالت:

"بابا.. أنا كنت خايفة من اللحظة دي. كنت خايفة تخاف مني لو عرفت الحقيقة. أنا فعلاً كنت السبب في موت بابايا الحقيقي.. بس مش زي ما هي قالت. أنا كنت بحاول أنقذ أمي منه، هو كان بيضربها وهما سايقين، وأنا شديت الدريكسيون عشان أبعده عنها.. العربية انقلبت. أمي هربت وسابتني لأني كنت بفكرها بالوجع ده كل ما تبص في وشي."

سكتت مريم وكملت وهي بتمسح دموعها:

"الست دي كانت بتبتزني يا بابا.. بقالها سنة بتهددني إنها هتبوظ حياتي وتقولك إني قاتلة لو مادفعتش ليها فلوس. وأنا كنت بدفع عشان مش عايزة صورتي تتهز في عينك. أنا آسفة إني خبيت عليك.. بس أنا مش وحشة يا بابا، أنا بس كنت طفلة خايفة."

في اللحظة دي، كنت محتار بين تصديق الست وكلامها عن "نوبات الغضب" وبين دموع بنتي اللي ربيتها. بس مريم طلعت من جيبها موبايلها ورتني رسايل تهديد وابتزاز من الست دي فعلاً.

حضنتها بقوة، ودموعي نزلت. مريم كانت ضحية مرتين، مرة من أهلها ومرة من ناس معندهاش ضمير.

الفرح كمل، بس جوايا فضل فيه سؤال صغير نابت زي الشوكة: مريم جابت القوة دي منين عشان تواجه الست دي بالبرود ده في أول المواجهة؟ وليه الست قالت إن مريم بتدور على أمها؟

بعد الفرح بشهر، مريم سافرت شهر العسل. دخلت أوضتها القديمة، ولقيت تحت السرير صندوق مقفول. فتحته ولقيت فيه صور قديمة لأمها.. وصورة حديثة متصورة من بعيد لأمها وهي قاعدة في جنينة بيت بسيط.

مريم كانت فعلًا بتراقب أمها.. ومكتوب ورا الصورة بخط مريم:

"قريب قوي يا ماما.. هتعرفي إن اللي سيبتيه مكسور على كرسي متحرك، رجع وواقف على رجليه.. وجاهز يرجعلك الوجع."

عرفت وقتها إن بنتي مش ملاك، ولا شيطان.. هي إنسانة الحزن والظلم صنعوا منها شخصية تانية خالص أنا لسه ماعرفتهاش.

تم نسخ الرابط