قصه ابنائها

لمحة نيوز

ولادها كانو فاكرين إن امهم بقت مليونيرة بالفلوس اللي كانو بيبعتوها لها. لكن لما رجعو البرازيل، اللي استقبلنا ماكانش فيلا ولا بيت محترم… كان عِشّة متهالكة وواحدة شبه الهيكل العظمي من الجوع. وساعتها اكتشفنا حقيقة قاسية لدرجة إنها كانت هتدمر — ويمكن تقتل — عيلتنا كلها.

عمري ما هنسى حرّ اليوم ده. كأن السما نفسها كانت بتفكرني قد إيه أنا غايب بقالى سنين. تلات سنين، خمسة سنين، آلاف مكالمات الفيديو ومئات التحويلات البنكية، ومع ذلك كنت مقتنع إن ده كفاية عشان أقول إني كنت ابن كويس.

اسمي رافاييل. عندي خمسة وتلاتين سنة، ومهندس شغال في دبي. متعود على الصحرا، على الحديد، على المواعيد الدقيقة والأرقام الباردة. لكن ولا حاجة — ولا أي حاجة — كانت ممكن تجهزني للي شوفته اليوم ده.

سافرت أنا وإخواتي، ميل وجوي الصغير. نزلنا من المطار وشنطنا في إيدينا، وابتسامتنا مليانة حماس. كنا فاكرين هنفاجئ ماما، وإنها هتكون أقوى، أهدى، يمكن حتى أسعد. كنا بنضحك ومفيش ذرة شك في قلوبنا.

خمس سنين كاملة، كنا بنبعت فلوس تقريبًا كل شهر. أنا كنت ببعت حوالي تمانية آلاف ريال برازيلي. ميل كانت بتبعت من خمسة لعشرة آلاف. وجوي كمان، دايمًا في معاده. بونصات، شغل زيادة — كل اللي نقدر عليه. في خيالي، ماما كانت عايشة مرتاحة: بيت كويس، أكل موجود، فواتير مدفوعة، ومفيش قلق. ده اللي كنت مصدقه.

ركبنا تاكسي وطلعنا على المنطقة الشرقية في ساو باولو. كنا بنتكلم عن خطط واحتفالات. عن آخر تحويلات، عن أعياد الميلاد، عن الكريسماس. حسبناها كده ولقينا إن في خمس سنين بعتنا أكتر من ستميت ألف ريال. ماما تستاهل كل قرش، بعد كل اللي ضحّت بيه عشاننا.

بس فجأة… حاجة بدأت تبقى غلط.

الشوارع بقت أضيق.

البيوت شكلها متبهدل ومتعمّل على قد الإيد.

الدوشة اتغيرت.

وبالراحة كده، سكون غريب نزل جوه العربية… وجوهنا إحنا كمان.
السواق وقف فجأة، وشد فرامل اليد وهو بيبص لنا في المراية بتردد وقال: "يا بيه، هو ده العنوان اللي مكتوب معايا. متأكدين إنكم عاوزين تنزلوا هنا؟ المكان ده مش أمان خالص."
بصيت لميل وجوي، وشوشهم كانت مخطوفة. العنوان اللي كان في إيدينا، واللي مفروض إنه لبيت ماما الجديد، كان بيشاور على زقاق ضيق، ريحته خانقة مخلطة بين الرطوبة والصرف، والبيوت فيه عبارة عن عشش من الصفيح والطوب الأحمر المتآكل.
نزلنا من التاكسي، وشنطنا الغالية اللي جايبينها من برة كانت بتجرجر في التراب. الناس في الشارع كانوا بيبصولنا كأننا كائنات فضائية. قلبي كان بيدق بسرعة، وكل خطوة كنت بحس إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي. فضلنا ماشيين ورا الأرقام الممسوحة على الأبواب لحد ما وصلنا لرقم البيت... أو بالأصح، الكارثة.
كان باب خشب مكسور، متثبت بسلك معدني مصدي، وسقف من الصاج بيسرب نور الشمس من خرام فيه.
الصدمة
زقيت الباب بالراحة، وصوت التزييقة بتاعته قطعت الصمت اللي جوانا. جوه، الضلمة كانت كئيبة، وريحة المرض والعفن مالية المكان. في الزاوية، على مرتبة إسفنج متقطعة على الأرض، كان فيه حد نايم ومكّوم على نفسه.
قربنا خطوة بخطوة... وميل فجأة شهقت وحطت إيدها على بوقها وهي بتترعش وتعيط.
دي مش ماما... مستحيل تكون دي أمنا! الست اللي مليانة حيوية، اللي كانت دايماً بتضحكلنا في مكالمات الفيديو، بقت عبارة عن هيكل عظمي متغطي بجلد بهتان. شعرها خفيف جداً، عينيها غايرة لجوه، وهدومها واسعة عليها كأنها شوال.
فتحت عينيها ببطء لما حست بحركتنا. بصتلي ثواني وهي مش مستوعبة، وبعدين دموعها نزلت من غير صوت. رفعت إيدها اللي بترتعش وحاولت تتكلم، صوتها كان حشرجة ضعيفة يادوب مسموعة: "رافاييل؟... ولادي؟... سامحوني... مكنتش قادرة أقولكم."
وقعت على ركبي قدامها وأنا منهار من العياط. جوي الصغير مقدرش يستحمل المنظر، طلع يخبط على الحيطة بره الشارع وبيصرخ من القهر. بصيت لها وقولت بصوت مخنوق: "فلوسنا يا أمي؟ الستميت ألف؟ الفيلات اللي كنا بنحلم إنك عايشة فيها؟ الأكل، العلاج؟ مين عمل فيكي كده؟"
السر القاسي
وهنا، وسط دموعها وضعفها، اتكشفت الحقيقة اللي كانت هتجننّا، حقيقة بشعة خلت الدم يغلي في عروقي.
ماما ماكنتش بتستلم الفلوس دي خالص. من تلات سنين، جالها جلطة خفيفة أثرت على حركتها. خالتنا "كارمن" — أختها اللي كنا فاكرينها الملاك الحارس اللي بيراعيها — استغلت الوضع. أقنعتها تعملها توكيل عام بحجة إنها تخلصلها أوراق المستشفى وتصرفلها الفلوس من البنك عشان ماما مكنتش بتقدر تمشي.
كارمن أخدت كل حاجة. الفيزا، الحسابات، حتى التليفون اللي كنا بنكلمها عليه. طب ومكالمات الفيديو؟ خالتنا كانت بتيجي مرة كل أسبوع، تاخد ماما من العشة دي، تقعدها في ركن نضيف في بيتها هي (بيت كارمن اللي بنته واتفشخرت بيه بفلوسنا)، تلبسها شال حلو، تحط لها مكياج يخفي شحوبها، وتفتح الكاميرا خمس دقايق نكلمها. وكانت كارمن بتقف ورا الكاميرا بتهددها بعينيها، ومفهمة أمي إننا لو عرفنا الحقيقة، هنزعل ونقاطعها وإن هي (كارمن) هترميها في الشارع من غير أكل خالص. وبعد المكالمة، ترجعها للعشة دي، وتديها فتافيت أكل يدوب تخليها تتنفس!
الانتقام والعدالة
أنا المهندس اللي بيتحكم في مشاريع بملايين، اتضحك عليا ومين؟ خالتي!
سيبت ميل وجوي مع ماما، وطلعت زي المجنون على عنوان كارمن. لقيت فيلا... فيلا حقيقية، بعربيتين في الجراج، وناس شغالة عندها. خبطت على الباب كأني بكسره. لما فتحت وشافتني، وشها جاب ألوان وعرفت إن اللعبة انتهت. كانت لابسة دهب في إيديها ورقبتها... دهب من فلوس عرقي وعرق إخواتي، ومن لحم ودم أمي.
مااديتهاش فرصة تنطق حرف. في أقل من ساعتين، كان البوليس مالي المكان. المحامي بتاعي وصلني بأكبر مكتب محاماة في ساو باولو، ورفعنا عليها قضايا تزوير، استيلاء على أموال، والأهم: "شروع في قتل أمي بالإهمال والتجويع".
الدرس الأغلى من الفلوس
نقلنا ماما في نفس اليوم لأحسن مستشفى خاص في البلد. الدكاترة قالوا إنها كانت بينها وبين الموت أيام معدودة بسبب سوء التغذية الحاد. قعدنا جنبها شهور، ما سيبناهاش لحظة. كنا بنأكلها بإيدينا، بنسرحلها شعرها، بنعوضها عن كل لحظة غبنا فيها ومسألناش بجد.
الفلوس رجعت؟ جزء كبير منها رجع بعد ما المحكمة حجزت على أملاك كارمن اللي دخلت السجن. بس الحقيقة إن الدرس اللي اتعلمناه كان أغلى من الفلوس بكتير.
اكتشفنا إن الحب مش تحويل بنكي بيتعمل آخر كل شهر. البر بالأهل مش مكالمة فيديو خمس دقايق وإنت بتشرب قهوتك في بلد تانية وضميرك مرتاح إنك "بتعمل اللي عليك". الأم مش محتاجة ثروتك... محتاجة حضنك، ريحتك، تطبطب عليها وتمسك إيدها وهي بتكبر.
دلوقتي ماما عايشة معانا في دبي. صحتها اتحسنت، ابتسامتها رجعت تنور وشها. وكل ما بشوفها قاعدة وسطنا بتضحك، بحمد ربنا كل يوم إنه إدانا فرصة تانية نكون ولادها بجد، مش مجرد أرقام بتتبعت في حساب بنكي.
 

تم نسخ الرابط