جدي وجدتي

لمحة نيوز

جدي وجدتي عاشوا مع بعض سبعة وخمسين سنة جواز — هادي، ثابت، ومليان حب عميق محدش كان بياخد باله منه.
كل يوم سبت الصبح، من غير ما يفوّت ولا مرة، جدي توماس كان بيجيب لجدتي باقة ورد فريش.
مره ورد بري، مره توليب، بس دايمًا كان بيرتبه قبل ما تصحى، ويحطه بهدوء في المزهرية… كأنه طقس حب مقدس بينهم.

من أسبوع، جدي اتوفى.
جدتي فضلت ماسكة إيده لحد آخر نفس طلع منه.
بعدها البيت بقى فاضي بطريقة توجع… كأن نبض حياتهم وقف فجأة.

قعدت معاها عشان أساعدها نلم حاجته وأونسها.
وجّه يوم السبت.

وفجأة… حد خبط على الباب.

كان واقف بره راجل لابس بالطو طويل.
ما قدمش نفسه.
قال بس:
“أنا جاي من طرف توماس. طلب مني أدي ده لمراته بعد ما يمشي.”

إيدي كانت بتترعش وأنا شايفة جدتي بتقرب منه.
إداها باقة ورد، وجواب مقفول بالشمع… ومشي من غير ما يقول كلمة تانية.

فتحت الظرف فورًا.
كان فيه ورقة بخط جدي اللي نعرفه كويس.

كان كاتب إن فيه حاجة مخبيها طول عمره تقريبًا — حاجة من حقها تعرفها.
وطلب منها تروح لعنوان معين في أسرع وقت.

العنوان كان بعيد حوالي ساعة.

ما ترددناش.

لما وصلنا، كان قدامنا بيت صغير وهادي.
وإحنا بنخبط، صدري كان مقبوض.

ست فتحت الباب.
أول ما شافت جدتي… سكتت خالص، كأنها اتجمدت مكانها.

قالت بهدوء:
“أنا عارفة إنتِ مين. أنا مستنياكي من زمان قوي. في حاجة توماس مخبيها عنك… ولازم تشوفيها.”

وبعد كده وسعت لنا الباب… ودعتنا ندخل.

دخلنا البيت والسكوت كان سيد الموقف. ريحة المكان كانت غريبة.. خليط من ريحة ورق قديم وورد مجفف، نفس ريحة مكتب جدي اللي في البيت. الست كانت ملامحها هادية، وكأنها شايلة سر تقيل بقاله سنين بس أخيراً جه الوقت اللي ترتاح فيه من شيله.
مشت قدامنا في طرقة طويلة، وعلى الحيطان كان فيه براويز لصور طبيعة، بس مكنش فيها ولا صورة لبني آدمين. وقفت قدام باب خشب تقيل، طلعت مفتاح من جيبها وفتحت الباب ببطء وهي بتبص لجدتي بأسف وقالت: "توماس مكنش بيخونك يا هانم.. توماس كان بيحاول يحميكي من الحقيقة اللي هو عاشها لوحده."
الغرفة السرية
أول ما دخلنا، جدتي شهقت وكتمت صرختها بإيديها. الأوضة كانت عبارة عن "أرشيف" كامل. ملفات، جرايد قديمة، وصور.. صور لجدتي وهي شابة، وصور تانية لناس تانية خالص مش بنعرفهم.
في نص الأوضة كان فيه ترابيزة عليها "صندوق حديد" كبير. الست شاورت عليه وقالت: "ده اللي توماس كان بيشتغل عليه كل ليلة سبت بعد ما يشتري الورد. كان بييجي هنا الساعتين اللي كنتِ بتفتكري إنه بيقضيهم في القهوة مع أصحابه."
فتحت جدتي الصندوق بإيد بتترعش، لقت مذكرات بخط إيده، في الصفحة الأولى كان مكتوب:
> "إلى حبيبتي الوحيدة.. لو بتقرئي الكلام ده، فإنا بقيت في مكان أحسن، بس السر اللي شلته ٥٠ سنة كان لازم يوصلك. أنا مش توماس اللي إنتِ عرفتيه في أول يوم قابلتك فيه."
> 
الحقيقة الصادمة
بدأت الحكاية تتكشف من الورق.. جدي مكنش مجرد موظف حسابات بسيط زي ما كنا فاكرين. جدي كان "شاهد ملك" في قضية اختفاء كبيرة حصلت قبل جوازهم بشهور. الست اللي فتحت لنا الباب طلعت بنت المحامي اللي ساعد جدي يغير هويته ويبدأ حياة جديدة تماماً عشان يهرب من ناس كانوا عاوزين يأذوه.
الصدمة الأكبر كانت لما جدتي لقت "عقد ملكية" لبيت تاني وأراضي باسمها هي.. جدي كان بيحوش قرش على قرش، وبيستثمر في السرا عشان يضمن لها حياة ملكية بعد ما يمشي، لأنه كان عارف إن معاشه مش هيكفيها.
بس السر مكنش فلوس وبس..
وسط الأوراق، لقت صورة لست تانية تشبه جدتي جداً، ومكتوب وراها: "أختك اللي ضاعت في الحرب.. لقيتها يا حبيبتي، بس كان لازم أخبي عليكي عشان حمايتك، لأن وصولي ليها كان معناه إن أعدائي القدام هيوصلوا ليكي."
المفاجأة الأخيرة
الست اللي فتحت الباب شاورت لجدتي تدخل أوضة داخلية.. وهناك، كانت قاعدة ست عجوزة جداً، ملامحها نسخة كربونية من جدتي بس التجاعيد واكلة وشها.
الست العجوزة رفعت عينيها وبصت لجدتي وقالت بضعف: "توماس وعدني إنه هيجمعنا لما الوقت يبقى أمان.. هو وفى بوعده يا أختي."
جدتي وقعت على ركبها وهي بتبكي بانهيار.. كانت فاكرة إن جدي بيخبي عنها علاقة تانية أو ماضي مظلم، لكنه طلع كان بيخبي عنها "أجمل هدية" كان ممكن تتخيلها، وحرم نفسه من إنه يشوف فرحتها باللمة دي وهو عايش عشان بس يضمن إن مفيش خطر يلمسها.
الوداع الحقيقي
رجعنا البيت ومعانا "أخت جدتي" اللي عاشت سنين فاكرة إن أهلها ماتوا.
في ليلة السبت اللي بعدها، جدتي صحت من النوم، بصت على المزهرية.. مكنش فيه ورد فريش لأول مرة من ٥٧ سنة.
بس لقت ورقة صغيرة كانت تحت المفرش، جدي كان سايبها "للطوارئ".
مكتوب فيها:
> "دلوقتي يا حبيبتي، إنتِ مش لوحدك. الورد اللي كنت بجيبه كل سبت كان اعتذار صامت عن كل لحظة كدبت فيها عليكي عشان أحميكي. دلوقتي تقدري تعيشي بقلب مطمن.. أنا كنت دايمًا جنبك، وهفضل جنبك."
> 
جدتي ابتسمت وهي بتمسح دموعها، وحطت الورد البري اللي جابه الراجل الغريب في المزهرية، وبصت للسما وقالت: "وصلت الرسالة يا توماس.. وصلت."
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد. قصة توجع القلب بس بتعلمنا إن الحب الحقيقي مش بس كلام، ده تضحية وحماية لآخر نفس.
 

تم نسخ الرابط