كنت راجع من اجتماع
كنت بجري في المطر بعد أسوأ اجتماع شغل في حياتي، لما شفت ست عجوزة بتترعش تحت شجرة وماسكة علبة كشري رخيصة كأنها كل اللي حيلتها. بصت لي، ودمي اتجمد في عروقي.. "ماما؟" همست بالكلمة وهي بتبص لي وسط العاصفة، ودموعها غرقانة في المطر وقالت: "أخيراً.. رجعت يا ابني." في الثانية دي، عرفت إن نجاحي خلاني غني كفاية إني أشتري أي حاجة.. إلا السنين اللي سرقتها منها.
لسه فاكر الصبح ده، لما المطر سبق الندم ووصل لي الأول. كان عندي 38 سنة، صاحب شركة والناس بتقول عليا "عصامي" و"ناجح" و"محدش يقدر يوقفه". بس في اليوم ده، كل الكلام ده مكنش له لازمة. كنت لسه طالع من اجتماع فاشل في وسط البلد، وشي مشدود وموبايلي مبيسكتش من رسايل المستثمرين، وعقلي قايد نار من الغضب. المطر كان بينزل زي السيول، بيغرق الرصيف ويفضي الشوارع. قررت أعدي من الجنينة عشان أكون لوحدي، لأني طول عمري كنت فاهم غلط إن "الوحدة" هي "القوة".
وهناك شفتها..
تحت شجرة جميز قديمة جنب بنك مكسور، كانت فيه ست عجوزة قاعدة، منحنية على علبة فوم رخيصة بتاعة أكل، وبتحاول بـإيدها اللي بتترعش تحمي الأكل من المطر. جاكتتها كانت خفيفة أوي على الجو ده، وجزمتها غرقانة مية. المطر كان نازل من شعرها الأبيض على تجاعيد وشها، وللحظة افتكرت إن ده مادة المطر بس، لحد ما استوعبت إنها كانت بتعيط بجد.
حاجة في شكلها خلتني أقف مكاني. قربت منها وأنا متضايق من نفسي إني مهتم، وبعدين اتجمدت مكاني لدرجة إني كنت هقع.
دي كانت أمي.. ست مديحة.
في ثانية، الدنيا كلها صغرت وبقيت مش سامع غير صوت المطر وهو بيخبط في الشجر. مكنتش شفتها من أكتر من 20 سنة. من ساعة ما كان عندي 17 سنة وكنت قاسي لدرجة إني افتكرت إن وجعي بيديني الحق إني أكون جاحد. كنا عايشين في بيت صغير مهدود على أطراف البلد. أمي كانت بتشتغل شغلانتين، وترجع مهدودة، وبرضه تحاول تبتسم وهي بتقدم لنا "شوربة عدس" على العشا. كنت بكره العيشة دي.. بكره السجاد الدايب، والفواتير اللي متدفعتش، ونظرة الشفقة في عيون الناس. وفي ليلة، انفجرت فيها.. قلت لها إنها دمرت مستقبلي، وإني أفضل أكون "نكرة" لوحدي على إني أكون "فقير" معاها. مشيت وحلفت إني مش راجع تاني.
ودلوقتي، أهي قدامي.. ضعيفة وغرقانة، بتاكل لوحدها في المطر، وأنا واقف ببالطو "براند" سعره أغلى من إيجار بيتنا القديم كله.
بصت لفوق، وعيني جت في عينها.
ركبي خانتني قبل كبريائي، ووقعت في الطين قدامها زي واحد مكسور..
وقعت في الطين قدامها، والبالطو الغالي اللي كنت خايف عليه من "نقطة مية" في المكتب، بقى غرقان في وحل الشارع. بصيت لوشها، التجاعيد كانت حفرت خريطة وجع السنين اللي أنا سبتها فيها. إيدها اللي كانت بتترعش سابت معلقة البلاستيك، ومدتها ناحية وشي كأنها بتتحسس حلم.
"آدم؟" قالتها بصوت شرقان بملح المطر، "إنت بجد يا ضنايا؟ ولا المطر بيضحك على عيني الشايبة؟"
مقدرتش أنطق. زوري كان محبوس فيه كلام 20 سنة من الجحود. مسكت إيدها وبستها بحرقة، ودموعي نزلت اختلطت بمية المطر اللي نازلة من كُم جاكتتها الخفيف.
"أنا يا أمي.. أنا الكلب اللي سابك، أنا اللي بعت حضنك بشوية فلوس ورق ملهومش عازة دلوقتي."
أمي ابتسمت بضعف، ونور عينيها كان أقوى من كآبة الجو: "الفلوس مش ورق يا آدم.. الفلوس هي اللي خلتك "باشا" زي ما كنت بتدعي وتتمنى وأنت صغير. أنا كنت بتابع أخبارك في الجرايد، وكنت بدعي لك في كل صلاة إن ربنا يفتحها في وشك.. حتى لو كنت نسيت طريقي."
الحقيقة المُرّة
شلتها بين إيدي، كانت خفيفة بشكل يرعب، كأنها "ريشة" الهوا ممكن يطيرها. ركبتها العربية المرسيدس، وشغلت الدفاية على أعلى درجة. بصت للعربية بذهول طفولي، وبعدين بصت لعلبة الكشري اللي لسه في إيدها وقالت بخجل: "يا خسارة.. المطر بوظ التقلية، كنت شايلاها لك عشان عارفة إنك بتحبها زيادة."
في اللحظة دي، قلبي اتقسم نصين. هي كانت قاعدة في المطر، بتاكل كشري "بايت"، وبتفكر في "التقلية" اللي ابنا بيحبها، وهو اللي رماها من 20 سنة!
سألتها بمرارة: "أمال فين شقتنا يا أمي؟ فين المعاش؟ فين خالي اللي كان واعدني إنه هياخد باله منك؟"
سكتت وبصت من الشباك: "خالك مات من عشر سنين يا ابني.. والشقة أصحاب البيت أخدوها لما القيمة زادت ومبقتش قادرة أدفع. بقالي سنتين عايشة في "دار مسنين" بسيطة، بس النهاردة قلبي قبضني، وحسيت إني لازم أتمشى في الشوارع اللي كنت بتمشى فيها وإنت صغير.. يمكن ريحتك تيجي مع الهوا."
يوم الحساب.. مع النفس
وصلنا الفيلا بتاعتي في "التجمع". الخدم جردوا عشان يفتحوا الأبواب، ومستغربين من الست الغلبانة اللي صاحب الشركة شايلها وبيدخل بيها. نيمتها في أكبر أوضة، وجبت لها طقم دكاترة يطمنوا على صحتها.
قعدت في المكتب، وبصيت لشهادات التقدير والدروع اللي مالية الحيطان. كل درع منهم كان بيصرخ في وشي: "إنت فاشل". نجاحي كله كان مبني على "قسوة قلب"، وقررت في اللحظة دي إن "آدم" القديم مات في المطر ده.
تاني يوم الصبح، بعت استقالتي من مجلس إدارة الشركة. والناس كلها افتكرت إني اتجننت. رحت لأمي الأوضة، لقيتها قاعدة بتسبح ومبتسمة.
"يا أمي.. أنا بعت نصيبي في الشركة. أنا مش عايز أبقى "باشا" تاني. أنا عايز أبقى "آدم" بتاع شوربة العدس."
أمي طبطبت على إيدي: "يا ابني النجاح مش عيب.. العيب إن النجاح ينسيك اللي سندك وإنت بتقع."
النهاية.. وجبر الخواطر
آدم مسبش أمه تانية واحدة. فتح مؤسسة خيرية باسم "ست مديحة" لرعاية المسنين اللي مالهمش سكن، وبقى يقضي نص يومه هناك، والنص التاني تحت رجل أمه.
يوم من الأيام، وهو قاعد معاها في الجنينة، سألها: "يا أمي، إزاي سامحتيني بالسهولة دي بعد كل اللي عملته؟"
ردت وهي بتبص للسما الصافية: "الأم يا آدم مابتسامحش.. لأنها أصلاً مابتزعلش. إحنا قلوبنا معمولة من "صبر"، ومستحيل نكره الحتة اللي طلعت مننا."
آدم عرف إن أغلى صفقة عملها في حياته، مكنتش بمليارات.. كانت "علبة كشري بايتة" في ليلة مطر، رجعت له روحه اللي كانت ضايعة وسط الزحام.
تمت.