اهلي قالو
أهلي قالوا عليا "مجنونة ومختلة" وعملوا لي "قعدة عرب" عشان يربوني. أنا ماجادلتش.. دخلت الصالة وقعدت بكل هدوء. بس لما أمي بدأت تقرأ لستة "خطاياي"، ابتسمت وطلعت صب (سماعة بلوتوث) وحطيته قدامهم. دوست "تشغيل".. والكل اتجمد مكانه لما سمعوا اللي فيه!
رسالة أخويا "حسين" جت لي الساعة ٩ الصبح: "عند بابا وماما.. الساعة ٦.. اجتماع عيلة." مفيش سبب، بس نبرته كانت نبرة حد عايز يسيطر ويفرض رأيه وخلاص.
كنت خلاص مش هروح. بقالي أسابيع بسأل أسئلة عادية—ذهب جدتي "راتبة" راح فين؟ وليه اسمي اتمسح من توكيل البنك؟ وليه البيت اللي وعدتنا نقسمه فجأة اتحط عليه يافطة "للبيع"؟ كل ما أفتح بوقي، أمي "دينا" تنفخ كأني بكسفها، وأبويا "محمود" يفضل باصص للتلفزيون ولا كأنه هنا. وأخويا حسين بقى يقول للناس إني "أعصابي تعبانة ومخي فوت". حتى خطيبي بدأ يسألني: "مش يمكن أنتي مضغوطة زيادة يا نادية؟"
سقت عربيتي من شقتي في "أكتوبر" لحد بيت أهلي في "الشيخ زايد"، وإيدي كانت بتعرق على الدريكسيون وأنا بحفظ جمل هادية عارفة إنهم مش هيسمعوها.
أول ما دخلت وشفت كراسي الصالون محطوطة في دايرة، فهمت الليلة فيها إيه.
خالتي "تريزا" ماسكة شنطتها وقفشة فيها، واتنين من ولاد عمي اللي مابشوفهمش قاعدين متخشبين على الكنبة. حسين أخويا واقف جنب النيش كأنه "بودي جارد". وأمي حاطة المصحف على طرابيزة القهوة وجنبه نوتة صفرا مليانة كلام.
أمي قالت بصوت ناعم زي العسل المر: "اقعدي يا نادية.. إحنا خايفين عليكي يا بنتي."
ما اتخانقتش.. ما طلبتش تفسير. دخلت وقعدت وسطهم.
أمي رفعت النوتة: "إحنا عملنا لستة.. بتصرفاتك الأخيرة.. وخطاياكي في حقنا."
بدأت تقرأ، وكل سطر كان أسمّ من اللي قبله: "ناكرة للجميل.. شكاكة.. بتتهم الناس بالباطل.. مهووسة بالفلوس.. بتألف قصص على حسين.. بتهددنا بالبوليس على الفاضي." ولما قالت "مختلة عقلياً"، خالتي هزت راسها كأنها كانت بتتدرب على الحركة دي.
حسين قرب مني وقال: "أنتي محتاجة مساعدة يا نادية.. دي قعدة عشان مصلحتك. إحنا شوفنا ليكي مصحة كويسة.. تقعدي فيها فترة بسيطة.. عشان خاطر نفسك."
بصيت في وشوشهم—القلق المصطنع كان هادي قوي—وساعتها شفت الحقيقة بوضوح. الموضوع ملوش علاقة بصحتي.. الموضوع إنهم عايزين يخرسوني قبل ما يبيعوا بيت جدتي ويقبضوا التمن.
ابتسمت ومديت إيدي في الشنطة.
صوت أمي اتشنج: "بتعملي إيه؟"
طلعت سماعة بلوتوث صغيرة وحطيتها على الطرابيزة، بالظبط جنب المصحف، وفتحت موبايلي. كنت مسجلة المكالمة اللي حصلت من ليلتين لما حسين نسي إنه لسه معايا على الخط وساب الموبايل مفتوح.
قلت لهم: "بما إننا بنفضفض لبعض.. أنا كمان جبت لكم حاجة تسمعوها."
ودوست "Play".
صوت أمي ملى الصالة، واضح زي الشمس: "لو قدرنا ندخلها المصحة، مش هتعرف تعارض في أي حاجة.. يا حسين، أنت اللي هتوقع بصفتك الواصي عليها.. خليك ضاغط على أعصابها، خليها تبان إنها مهزوزة قدام الناس."
محدش اتحرك. وش حسين بقى لونه زي الورق.
وفي التسجيل، سمعت صوت أخويا وهو بيضحك: "هي هتقعد تعيط، وإحنا هنقول إنها خطر على نفسها.. الموضوع سهل قوي."
الصالة اتجمدت، والسكوت اللي حصل كان أعلى من صوت السماعة نفسها......
التسجيل لسه شغال، وصوت حسين في السماعة كان طالع بوضوح وهو بيقول: "والبيت أول ما يتباع، نصيبي ونصيبك يا ماما هيتحولوا للحساب السويسري، ومحمود (أبويا) ملوش دعوة، هنقوله إن المصاريف راحت للمصحة."
أبويا، اللي كان دايماً باصص للتلفزيون، رفع عينه فجأة وبص لحسين ولأمي بنظرة رعب.. كأنه أول مرة يشوفهم على حقيقتهم. أمي "دينا" إيدها كانت بترتعش وهي بتحاول تخطف الموبايل من قدامي، بس أنا كنت أسرع، رجعت الموبايل ورا ضهري وفضلت مبتسمة نفس الابتسامة الهادية.
حسين وشّه جاب ألوان، من الأحمر للأصفر للأزرق، وحاول يسترد هيبته "المزيفة" وزعق:
• "ده.. ده فوتوشوب! ده تسجيل متفبرك بالذكاء الاصطناعي! نادية مريضة وبتعمل أي حاجة عشان توقعنا في بعض!"
بصيت لخالتي "تريزا" ولولاد عمي اللي كانوا قاعدين مذهولين وقلت بصوت مسموع:
• "ذكاء اصطناعي يا حسين؟ طب والسر اللي قلته لماما في آخر التسجيل عن (ذهب جدتي) اللي بعته في (الصاغة) الأسبوع اللي فات ومعاك الوصل باسمك.. ده كمان ذكاء اصطناعي؟"
فتحت الموبايل وطلعت صورة "وصل البيع" اللي قدرت أصوره من وراه وهو نايم في يوم من الأيام لما ساب محفظته. الصالة اتقلبت لمناحة.. ولاد عمي وقفوا، وواحد منهم قال بـقرف: "إحنا جايين عشان نربي (مختلة).. طلعنا قاعدين مع (عصابة)!"
لحظة الانقلاب
أبويا قام وقف، ولأول مرة شفت "محمود" بياخد موقف. قرب من حسين واداله قلم رن في الصالة كلها، قلم كان تمنه سنين من التهميش والكدب.
• "إنت بتخطط تبيع بيت أمي وتوزع ورث أختك وإنتوا حابسينها؟ وبالاتفاق مع أمك؟"
أمي بدأت تصوت بتمثيل: "يا محمود افهم.. إحنا كنا عايزين نأمن مستقبلنا، نادية مش وش نعمة.."
قاطعتها بقوة: "نادية هي اللي كانت بتدفع أقساط عربية حسين من وراكم عشان مايتحبسش! نادية هي اللي شالت مرض جدتي سنة كاملة وإنتوا في المصايف! ودلوقتي نادية هي اللي معاها (توكيل رسمي عام) من جدتي قبل ما تموت، والتوكيل ده بيلغي أي تصرف عملتوه في البيت أو البنك."
حسين وقع على الكرسي كأنه جثة: "توكيل إيه؟ جدتي كانت غايبة عن الوعي!"
رديت ببرود: "جدتي كانت واعية جداً ومسجلة فيديو بالصوت والصورة وهي بتمضي، وبتقول فيه إنها خايفة منك ومن ماما.. والفيديو ده مع المحامي بتاعي، وجاهز يروح النيابة بكره الصبح بتهمة (التزوير والنصب)."
النهاية السعيدة.. لـ "نادية"
خالتي وولاد عمي انسحبوا من البيت وهما مش طايقين يبصوا في وش أمي. وأنا لميت حاجتي وسماعتي بأسلوب "شيك" جداً.
وقفت عند الباب وقلت لهم:
• "القعدة دي فعلاً كانت لمصلحتي.. لأنها عرفتني إن مصلحتي هي إني أقطع علاقتي بيكم تماماً. البيت مش هيتباع، والذهب تمنه هيرجع لحسابي، وإلا الوصل والتسجيل هيكونوا على مكتب المأمور في خلال ساعة."
حسين حاول يلحقني وهو بيعيط: "يا نادية إحنا إخوات.. بلاش فضايح."
بصيت له من فوق لتحت: "إحنا إخوات في التسجيل بس يا حسين.. في الحقيقة، إنت مجرد (غريب) حاول يسرقني. استمتع بليلتك، لأنها آخر ليلة هتعرف تنام فيها وإنت فاكر إنك أذكى مني."
سقت عربيتي وأنا راجعة "أكتوبر"، وفتحت الشباك عشان أشم هوا نضيف. خطيبي كلمني، رديت عليه وقلت له: "أنا مش مضغوطة يا حبيبي.. أنا أخيراً بقيت حرة."
نادية دلوقتي بتدير أملاك جدتها، وبنت مؤسسة صغيرة لمساعدة الستات اللي بيتعرضوا لـ "غاز لايتنج" أو تلاعب نفسي من أهاليهم. أما حسين وأمه، فبقوا عايشين في بيت جدتي "إيجار" بيدفعوه لنادية كل شهر وهم مكسورين، عشان يعرفوا إن "المختلة" هي اللي بقت صاحبة اليد العليا.
تمت.