حماتي وال عملته في بنتي
حماتي طردت بنتي من حفلة عيد ميلاد ابن أخو جوزي—ولما عرفت السبب، خليتها تتعلم درس في الاحترام عمرها ما هتنساه.
الويك إيند اللي فات، أخو جوزي "باسم" عمل حفلة عيد ميلاد لابنه "يحيى"، اللي تم ٧ سنين. بنتي "نادية الصغيرة" ، اللي عندها ٦ سنين، كانت طايرة من الفرحة. هي اللي اختارت الهدية بنفسها—مجموعة "بوكيمون" تحفة—ولبست فستانها اللي بيلمع عشان كانت عايزة "تطلع شيك في الصور!".
وصلناها، واديناها حضن كبير، وقلنا لها هنرجع ناخدك كمان شوية.
بعد ساعة بالظبط، تليفوني رن.
كانت بنتي.
كانت بتعيط بحرقة.
"ماما، ممكن تيجي تأخديني؟ تيتا طردتني بره.. أنا قاعدة في الجنينة لوحدي."
قلبي وقع في رجلي في ثانية.
جرينا بالعربية على بيت أخو جوزي بأقصى سرعة. ولما وصلنا، لقيت إيلي واقفة لوحدها في الجنينة، ولسه ماسكة الهدية المتغلفة في إيدها، ودموعها مغرقة وشها. "باسم" (جوزي) خدها في حضنه فوراً وهو مخضوض.
أنا مأترددتش لحظة—دخلت جوه البيت زي الإعصار.
حماتي، "فوزية" ، كانت قاعدة على التربيزة، وعمالة تأكل تورتة بكل برود وكأن مفيش حاجة حصلت.
"إيلي قاعدة بره بتعيط ليه يا حماتي؟!" صرخت فيها وأنا غليان.
حسيت بتقل في صدري، كأن الأرض اتهدت تحت رجلي. فوزية رفعت عينها وبصت لي من غير ما يرف لها جفن، وبدأت تتكلم...
فوزية هانم سابت الشوكة من إيدها ببطء مستفز، ومسحت بوقها بمنديل ورق وكأنها بتمسح أي أثر للرحمة من وشها. بصت لي ببرود يفرس وقالت:
"أنا طردتها عشان مكنش ينفع تفضل هنا وتلوث الصور العائلية بفستانها اللي بيلمع ده.. الصور دي هتفضل ذكرى، وأنا عايزة ذكرى 'نضيفة' وعلى المستوى."
أنا اتسمرت مكاني: "مستوى؟ أنتي بتقولي إيه؟ دي حفلة عيد ميلاد ابن عمها! والبيت بيت أخو جوزي!"
فوزية ضحكت بسخرية: "يا حبيبتي أنتي عارفة إن 'باسم' (أخو جوزي) لسه مترقي وبقى مدير كبير، والمعازيم اللي هنا كلهم ناس تقيلة.. بنتك كانت عمالة تنطط وتلعب وتاكل 'تشيبس' وتبوظ شكل القاعة اللي دافعين فيها آلاف.. وبعدين الهدية اللي هي جايباها دي؟ 'بوكيمون'؟ أنتي عارفة يحيى جاله إيه النهاردة؟ جاله ساعات ماركات ولعب بآلاف، مكنش ينفع الهدية الفقيرة دي تتحط وسط الهدايا."
في اللحظة دي، جوزي "باسم الكبير" دخل وهو شايل بنته "إيلي" اللي لسه دموعها مغرقة فستانها. وشه كان قالب ألوان من كتر الغضب لما سمع كلام أمه.
"يعني أنتي طردتي حفيدتك عشان الهدية مش عاجباكي يا أمي؟ وعشان فستانها مش على مقاس طموحاتك؟"
فوزية وقفت وبصت له بحدة: "أنا بعمل كدة عشان مصلحتكم.. عشان برستيج العيلة قدام الناس. البت دي لازم تتعلم إن فيه أصول وقواعد للطبقات اللي إحنا فيها دلوقتي."
هنا نادية (أنا) حسيت إن الدم غلى في عروقي لدرجة الانفجار. بنتي كانت بتبص لجدتها بذهول، طفلة عندها ٦ سنين بتسمع إن هديتها اللي حوشت مصروفها عشان تجيبها "فقيرة"، وإن وجودها "بيلوث" الصور.
قلت لها بصوت هادي بس مرعب: "تمام يا فوزية هانم.. البرستيج والأصول. أنا هعرفك الأصول على حق."
فتحت شنطتي وطلعت الموبايل، وعملت تليفون واحد بس: "ألو.. يا أستاذ مدحت؟ أيوه.. الفيلا اللي في التجمع اللي 'فوزية هانم' قاعدة فيها ومأجراها من المكتب بتاعي؟ إلغي العقد فوراً.. والصيانة اللي كنت ببعتها لها كل شهر على حسابي؟ توقف حالا.. والعربية المرسيدس اللي باسم شركتي وهي بتستخدمها؟ المحضر يروح ياخدها الصبح."
فوزية وشها بقى أصفر زي الكركم: "أنتي بتقولي إيه يا مجنونة؟ أنتي بتهددي حماتك؟"
قلت لها وأنا ببتسم ببرود: "أنا مبهددش.. أنا بعرفك 'المستوى' الحقيقي. الفيلا اللي أنتي منخورة فيها وعمالة تتمنظري بيها قدام 'الناس التقيلة' دي ملكي أنا.. من ورث أبويا اللي أنتي كنتي دايماً بتقولي عليه 'راجل بسيط'. العربيات والخدم والبرستيج اللي أنتي عايشة فيه ده كله بفلوس 'نادية' اللي مش عاجباكي."
بصيت لـ "باسم" أخو جوزي اللي كان واقف مكسوف ومرعوب من اللي بيحصل: "يا باسم.. عيد ميلاد سعيد ليحيى، والهدية دي خليه يخليها عنده ذكرى.. لأن دي آخر مرة هيدخل بيتنا أو يشوفنا فيها طالما فوزية هانم موجودة."
خدت إيد بنتي وزقيت الكرسي بعنف: "يالا يا إيلي.. نروح نجيب أحلى تورتة في الدنيا ونحتفل في بيتنا اللي 'فستانك البيلمع' هو اللي منوره."
فوزية بدأت تصوت وتتمسكن لبنها: "شفت يا باسم؟ شفت مراتك بتعمل فيّ إيه؟ دي عايزة ترميني في الشارع!"
جوزي بص لأمه بنظرة خذلان عمرها ما هتنساها وقال لها: "يا أمي.. أنتي اللي رميتي حفيدتك في الشارع الأول عشان شوية صور وكلام ناس.. نادية عندها حق، واللي يكسر خاطر بنتي، ملوش مكان في حياتي."
خرجنا من البيت وإحنا راسنا في السما. فوزية خسرت كل حاجة في ليلة واحدة؛ خسرت الفيلا، والعربية، والأهم.. خسرت احترام ابنها وحب أحفادها.
بعد أسبوع، فوزية كانت بتكلمني وتعيط وتتأسف عشان أسيبها في الفيلا ومسحبش العربية، بس أنا كنت اتعلمت الدرس.. اللي مبيحترمش بنتي وهو "عالة" عليا، عمره ما هيحترمني لو بقيت ضعيفة.
إيلي النهاردة بتلعب بـ "البوكيمون" بتاعها وهي فرحانة، وعرفتها إن قيمتها مش بفستانها ولا بهديتها، قيمتها بكرامتها اللي أمها وأبوها مستعدين يهدوا الدنيا عشانها.
تمت