جوزي طردني عشان مراته التانيه حكايات بسمة
لمي هدومك واطلعي بره البيت ده في خلال 48 ساعة.. البيت خلاص بقى ليه صاحبة جديدة."
جوزي رمى الجملة دي في المطبخ وهو بيعدل كولية قميصه، كأنه بيقول لي إن العيش خلص. ولا حتى زعق. مكنش محتاج. أصل أحقر أنواع القسوة هي اللي بتتقال ببرود، كأن قلة الأصل بتبقى "شيك" لما تتقدم في هدوء.
أنا كنت واقفة بقطع خضار للغدا لما حدف ورق الطلاق على رخامة المطبخ الجرانيت. ومن وراه ظهرت "مراته التانيه"، واحدة صغنونة، طويلة، ومراعية نفسها ع الآخر.. شعرها لسه ملموم "ليس" وضحكة النصر مش قادرة تداريها. كانت شايلة شنطة ماركة وبتبص في كل ركن في الشقة كأنها بتختار الزاوية اللي هتتصور فيها "سيلفي" أول ما تخرجني.
أنا اسمي "وفاء".. كان عندي 48 سنة يوم الإتنين ده، وفي اللحظة دي فهمت إن 27 سنة جواز اتلخصوا في ظرف ورق وأمر طرد قاله الراجل اللي أنا اللي عملت له قيمة وبنيت معاه حياته طوبة طوبة.
جوزي "أكرم" عدل الجاكيت واتكلم كأنه بيمنّ عليا:
— "مضي وقت ما تحبي.. الطلاق كدة كدة ماشي في إجراءاته. وأيوة، عشان متسأليش، البيت بقى باسم 'چيچي'."
البنت خطت خطوة لقدام بكل ثقة، فاكرة إنها كسبت الحرب من غير ما تحارب:
— "أنا مش عايزة مشاكل يا مدام وفاء،" قالتها وهي بتصطنع الرقة، "أنا بس عايزة كل حاجة تمشي بـ 'شياكة' وعقل."
بصيت في عينيها.. كانت واثقة أوي، وفخورة أوي، وجاهلة أوي.
البيت اللي إحنا فيه ده مكنش مجرد بيت في "التجمع".. ده كان صرح كبير، بجنينة أنا اللي زرعت كل وردة فيها، وتراس ولادي احتفلوا فيه بأعياد ميلادهم وتخرجهم. هنا أنا طبخت، وعيطت، وحوشت، وصلحت سباكة، واستقبلت ضيوف، ووقعت شيكات، ونظمت ورق، وشلت شيلة عيلة كاملة كان أكرم بيمشي يتباهى بيها قدام الناس كأنه هو اللي عملها لوحده.
مسكت الورق.. راجعته بالراحة. ولا دمعة نزلت من عيني. ولا حتى سألت سؤال واحد. وده أول حاجة قلقلت أكرم.
— "هو ده بس اللي عندك؟" سأل وهو عاقد حواجبه، "مش هتقولي حاجة؟"
رفعت عيني لـ "چيچي":
— "يعني هو قال لك إن البيت ده بقى بتاعك وباسمك؟"
ابتسمت ورفعت دقنها لفوق:
— "أيوة.. نقله باسمي الشهر اللي فات."
أنا كمان ابتسمت، بس مكنتش ضحكة فرحة.. كانت النظرة اللي بتبصها الست اللي اتأكدت إن فيه اتنين أغبياء ماشيين بليل ناحية منحدر وهما بيضحكوا.
— "تمام،" قلتها بهدوء، "متشيلوش هم.. هكون مشيت في ظرف 48 ساعة."
السكوت كان أتقل من أي زعيق. أكرم كان مستني "مناحة"، وچيچي كانت مستنية "ذل". محدش فيهم خد اللي هو عايزه.
يومين قضيتهم بلم حاجتي "أنا" بس: لبسي، ورقي الشخصي، دهب أمي، صور ولادي، دفاتر حساباتي، و"شنطة جلد رمادي" مخبيتهاش عن عينيهم ثانية واحدة. مكسرتش حاجة، ولا اعترضت على حاجة، ولا عملت نمرة من اللي كانوا راسمينها في خيالهم.
يوم الأربع، وقبل ما أمشي، مشيت في البيت لآخر مرة. لمست حيطة الطرقة، وسور السلم، ورخامة المطبخ.. مش ندم ولا حنين، دي كانت "بودعهم". أصل فيه أماكن بتبطل تبقى "بيت" قبل ما رجلينا تخرج منها بكتير.
أكرم وصلني لحد الباب بالمنظرة بتاعة الراجل اللي فاكر نفسه انتصر.
چيچي كانت جوه، بتدي أوامر للعمال عشان يطلعوا شنطها "الأوضة الكبيرة".. حتى مستنتش لما أخرج خالص.
سلمت المفاتيح لأكرم، لبست نضارتي الشمس، وركبت عربيتي.
وأنا بدور العربية، شفت في المراية چيچي وهي داخلة من الباب الرئيسي كأنها ملكة داخلة قصرها.
اللي هي مكنتش تعرفه.. إن البيت ده مبيجيش معاه "تاج".
البيت ده معاه "كابوس" كان هيبلعها هي واللي معاها في ثواني.
أول ما دورت العربية، لمحت "چيچي" قدام الباب بانتصار.. ضحكت من قلبي وطلعت الموبايل، وبعت رسالة واحدة للمحامي بتاعي: "التنفيذ دلوقتي."
أنا كنت عارفة إن أكرم "حرامي شيك"، طول عمره بيلعب بالبيضة والحجر في حسابات الشركة اللي إحنا فاتحينها سوا، بس هو كان فاكرني "ست بيت" ملهاش في الحسابات. اللي ميعرفوش إني كنت بلقط كل ورقة وكل تحويلة وكل "قرش" بيهربه بره الشركة، وجمعتهم كلهم في "الشنطة الرمادي" اللي كانت في إيدي.
بعد ساعة بالظبط، وأنا قاعدة في كافيه بشرب قهوتي في هدوء، تليفوني ميسكتش.. أكرم!
كنسلت عليه مرة.. اتنين.. عشرة. بعت رسالة صوتية وهو بيصرخ:
— "وفاء! أنتي عملتي إيه؟ البنك باعت إخطار بحجز إداري على البيت والشركة! والضرايب باعتة قوة دلوقتي واقفة قدام الباب! ردي عليا يا وفاء!"
شربت بوق من القهوة وبعت له رسالة مكتوبة:
"أنا مبعملش حاجة يا أكرم، أنا بس 'سلمت' الأمانة لأصحابها. مش أنت نقلت البيت باسم چيچي؟ مبروك عليها.. بس البيت ده عليه مديونية بـ 15 مليون جنيه قروض أنت واخدها بضمانه ومسددتش منها جنيه، وأنا النهاردة بلغت البنك إنك 'هربت' الأصول باسم واحدة تانية.. والبنك مبيحبش حد يشتغله."
تليفوني رن تاني، بس المرة دي كانت "چيچي".. صوتها كان منهار، مفيش "رقة" ولا "شياكة":
— "يا مدام وفاء الحقيني! البوليس هنا وبيقولوا إن فيه بلاغ 'تبديد ' والبيت متشمع! أكرم سابني وهرب من الباب اللي ورا! أنا ماليش دعوة بالحاجات دي!"
ضحكت بصوت عالي في الكافيه لدرجة إن الناس بصت لي:
— "يا روح قلب وفاء، مش أنتي بقيتي 'صاحبة البيت'؟ شيلي بقى يا شاطرة. البيت ده دلوقتى فيه 'ضبط وإحضار' لكل اللي فيه. وبعدين يا حبيبتي، أكرم مبيحبش حد يشاركه في المصايب، هو بيحب يشارك في 'العربيات' و'الخروجات' بس. أهو سابك تشيلي الشيلة لوحدك.. شوفي بقى الـ 48 ساعة دول هيعدوا عليكي إزاي في النيابة."
قفل في وشها السكة، وفتحت الشنطة الرمادي، وطلعت منها عقد شقتي الجديدة اللي اشتريتها بـ "أرباحي" القانونية اللي كنت بشيلها من وراه سنين.
أكرم خسر الشركة، وخسر البيت، وخسر سمعته، وچيچي اللي كانت فاكرة إنها "اصطادت" ملياردير، لقت نفسها لابسة في قضية "غسيل أموال" ومطالبة بتعويضات تبيع فيها هدومها اللي لسه مفرشتهاش.
وفاء مش بس كسرت الألف.. وفاء "شطبت" عليهم من الحسابات خالص.