اتسمرت مكاني
رجلي اتسمرت مكاني أول ما شفت أبويا راكع على ركبه وسط مية وصابون، إيده بتترعش من القلة، وخطيبتي واقفة بتبص له بقرف وبتقول بصوت عالي الراجل ده ملوش مكان هنا. أول ما شافني، بص لي والدموع مالي عينه وهمس بوجع يا بني.. ابوس إيدك. في اللحظة دي، حياتي اللي كنت فاكرها مثالية اتشرخت.. وكان لازم أختار بين الراجل اللي كبّرني وبين الست اللي بتهينه. اللي عملته بعدها غير كل حاجة.
أنا اسمي فارس، وطول عمري كنت فاكر إن النجاح والفلوس يقدروا يمسحوا الماضي وكل اللي فات. الناس في المجتمع بتاعي يعرفوني إني المليونير العصامي، صاحب أكبر شركة استثمار، اللي عايش في فيلا كلها قزاز فوق الهضبة، وجدوله مليان مواعيد مفيش فيها وقت للضعف. الكل كان بينبهر بعربياتي، وبدلي اللي بتتعمل عمولة، وعزوماتي مع كبار البلد.
وكانوا بينبهروا ب فريدة كمان.. خطيبتي الجميلة، بنت العيلة والأصول بفلوسها يعني، اللي عارفة امتى تبتسم في وش الناس، ومين اللي يستاهل اهتمامها ومين لأ. من بره، حياتي كانت زي الكتاب ما بيقول.
بس المثالية دي دايماً بتداري تحتها بلاوي.
قبل كل الفلوس والمنظرة دي، كان فيه أبويا.. عم إبراهيم. الراجل اللي كان زمان ظهره حديد، اللي بيصلح أي حاجة بإيده، وشايل هم عيلته من غير ما يشتكي. بس الدنيا جت عليه ودشدشته حتة حتة. أمي ماتت بعد مرض طويل سحب كل مليم حوشه، وبعدها خسر شغله، والديون ركبتنا، وفي الآخر حتى البيت اللي لمّنا ضاع. على ما أنا عملت ثروتي، كان هو خلاص خسر كل حاجة.
وفي وسط زحمة صعودي.. أنا خسرته هو.
الموضوع محصلش فجأة. كنت بضحك على نفسي وأقول أنا مشغول، هكلمه الأسبوع الجاي، هزوره الشهر الجاي، هبعتله فلوس لما الظروف تسمح. النجاح بيخلي الأعذار شكلها مقنع، والكبر بيخلي الإهمال عادة. بدأت أتكسف من الحتت اللي في حياتي اللي مش لايقة على البرستيج الجديد. أبويا، ببالطوه القديم وعينه التعبانة، كان جزء من ماضي كنت عايز أدفنه.
في يوم برد الصبح، وأنا كنت في اجتماع مهم في وسط البلد، أبويا جالي البيت. جالي وهو عنده أمل، مش زعلان. كان نفسه يشوفني.. كان يمكن نفسه يحس إن لسه ليه ابن.
بس اللي استقبلته كانت فريدة.
فتحت الباب وشافت قدامها، مش راجل عجوز مكسور، ولا أب ضحى بكل حاجة عشان ابنه.. شافت بقعة في حياتها الشيك اللي كانت بتخطط لها. أنا مكنتش هناك عشان ألحق اللي حصل. مكنتش موجود وأبويا، وهو مهزوز ومرعوش، دخل البيت، وبالغلط خبط جردل مية كان جنب المدخل، ووقع بكل تقله على الأرض الرخام وهو بيحاول يلم المية ويمسحها بسرعة عشان ميزعلهاش.
ولما أنا دخلت من باب البيت أخيراً، لقيت أبويا راكع على ركبه في مية وصابون، بيترجاها بدموعه وهي واقفة فوق راسه بتضحك عليه بتكبر..
أول ما عيني جت في عين أبويا، حسيت بطلقة اخترقت قلبي. الراجل اللي شالني على كتافه وأنا عيل صغير عشان أشوف الدنيا، دلوقتي راكع بيمسح جزم خطيبتي بمية وصابون ونفسه مكسورة. فريدة أول ما شافتني، ملامح القرف اللي على وشها متمسحتش، بالعكس، دي قربت مني بدلال بارد وقالت
كويس إنك جيت يا فارس.. شوف الشحات اللي أنت سايبه يدخل الفيلا ده، غرق الرخام وبوظ لي الجزمة ال براند بتاعتي. اطرده فوراً، المنظر ده ملوش مكان في بيتنا.
أبويا حاول يقوم، إيده اتزحلقت على الرخام المبلول، وهمس بصوت يدوب طالع من وسط خنقة العياط
حقك عليا يا بني.. والله كنت جاي أباركلك على الصفقة الجديدة اللي شفتها في الجرنان.. مكنتش أقصد أضايق الهانم.
في اللحظة دي، شريط حياتي كله مر قدام عيني. افتكرت لما كان بيحرم نفسه من اللقمة عشان يشتري لي كتاب المدرسة. افتكرت إيده وهي خشنة من الشغل عشان ينعم حياتي أنا. بصت لفريدة، لجمالها المزيف، لفستانها الغالي اللي مبيغطيش سواد قلبها، وبعدين بصت لأبويا اللي كرامته اتهانت في بيتي.
قربت من أبويا، نزلت على ركبي في المية والصابون زيه، ومسكت إيده المرتعشة وبستها قدام ذهول فريدة
قوم يا حج.. مكانك مش هنا على الأرض، مكانك فوق راسي وفي نص قلبي.
فريدة برقت وعليت صوتها
إنت بتعمل إيه يا فارس؟ إنت اتجننت؟ إنت بتبوس إيد ده؟
وقفت وأنا ماسك إيد أبويا ومتبت فيها، وبصت لها نظرة خلتها ترجع خطوة ورا من الخوف
الراجل ده يبقى سيدي وتاج راسي.. الراجل ده هو اللي عمل فارس اللي إنتِ جاية تتنططي عليه بفلوسه. والبيت اللي مش عاجبك فيه ريحة أبويا، مكيش مكان فيه.
إنت بتقول إيه؟ إنت بتطردني عشان خاطر البيئة ده؟ صرخت بهستيريا.
أيوة بضحي بيكي وبالعيلة بتاعتك وبالمنظرة الكدابة دي كلها عشان خاطر ضفر الراجل ده. اطلعي برا يا فريدة.. والشبكة والفلوس وكل المظاهر دي اعتبريها صدقة جارية على روح الجوازة اللي كان ممكن تربطني بواحدة زيك.
سحبتها من إيدها وخرجتها برا الباب وقفلته في وشها ووش العالم كله. رجعت لأبويا، خدته في حضني وفضلنا نعيط زي العيال الصغيرة.
سامحني يا بابا.. النجاح عمي عيني، والفلوس نستني أصلي.
أبويا طبطب على كتفي وقال بكلمات هزت كياني
كنت مستني اللحظة دي يا فارس.. مش عشان أعيش في فيلا، بس عشان أتأكد إن ابني لسه بني آدم.
الليلة دي، الفيلا مكنتش قصر بارد من القزاز.. كانت بيت بجد، فيه ريحة الأصول، وفيه راجل رجع له ابنه، وابن لقى نفسه تاني تحت رجلين أبوه.
تمت القصة.