اتريقو عليا

لمحة نيوز

اتريقوا عليا عشان ابن عاملة نظافة.. بس يوم التخرج قلت جملة واحدة بس.. خلت الكل يسكت ويعيط
أنا مينا، ابن ست غلبانة بتجمع روبابيكيا وبلاستيك من الزبالة.
من صغري وأنا عارف إن حياتنا صعبة. في الوقت اللي العيال فيه كانوا بيلعبوا بألعاب جديدة وبياكلوا أكل غالي، كنت أنا بستنى بواقي الأكل اللي بتفيض من المحلات.
كل يوم، أمي كانت بتصحى من الفجر.
تشيل الخيشة الكبيرة على كتفها، وتروح تلف على صناديق الزبالة والمقالب عشان تلاقي أي حاجة تبيعها وتعيشنا منها. الشمس الحارقة، والريحة الصعبة، والجروح اللي في إيدها من بقايا الإزاز والكرتون.. كل ده كان روتينها اليومي.
ورغم كل ده، عمري ما اتكسفت من أمي.
اليوم اللي مش هنساه
كان عندي 6 سنين بس لما اتهنت لأول مرة.
إيه الريحة دي؟ إنت ريحتك وحشة أوي!
إنت جاي من الزبالة صح؟
ابن الزبّال أهو! هههههه!
مع كل ضحكة منهم، كنت بحس إني بدفن في الأرض من الكسوف. لما كنت برجع البيت، كنت بعيط في سكات. ليلة أمي سألتني
يا ضنايا، مالك حزين ليه؟
رسمت ضحكة على وشي وقلت لها
مفيش يا ست الكل، أنا بس تعبان شوية.
بس من جوايا، كنت مكسور.
12 سنة من الإهانة والصمود
السنين عدت..
من الابتدائي للثانوي، والقصة هي هي. محدش كان بيرضى يقعد جنبي. في الأبحاث والمشاريع، كنت دايماً آخر واحد يختاروه. في الرحلات، كنت دايماً بره الحسبة.
اسم ابن الزبال بقى هو اللي بيندهوني بيه.. كأنه اسمي الحقيقي.
بس رغم كل ده، كنت ساكت.
مردتش الإهانة بإهانة.. ولا اشتكيت.
قررت بس إني أذاكر بكل قوتي. في الوقت اللي كانوا هما بيضيعوا وقتهم في السيبر، كنت أنا بحوش قرش على قرش عشان أصور ملزمة. في الوقت اللي كانوا بيشتروا فيه موبايلات غالية، كنت بمشي كذا كيلو عشان أوفر تمن المواصلات.
وكل ليلة، وأمي نايمة وجنبها شوال الإزايز الفاضية، كنت بهمس لها
بكرة يا أمي.. بكرة كل ده هيخلص وهرفع راسك.
يوم الحصاد
وجه يوم التخرج.
وأنا داخل القاعة، سمعت الوشوشة والضحكات
أهو ده مينا، ابن الست اللي بتلم الزبالة.
تلاقيه لابس لبس مستعمل من اللي أم لمه.
بس مكنش فارق معايا خلاص.
لأنه بعد 12 سنة تعب، كنت أنا الواقف في المركز الأول.. بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.
في آخر القاعة، شفت أمي.
كانت لابسة بلوزة قديمة وعليها أثر التراب، وماسكة موبايلها القديم اللي شاشته مكسورة وبتحاول تصورني بفرحة.. وفي عيني، كانت هي أجمل ست في الدنيا.
لما المذيع نطق اسمي وقال والآن.. مع كلمة أوائل الدفعة، يلقيها الطالب مينا، الحاصل على المركز الأول بامتياز مع مرتبة الشرف، القاعة كلها سكتت.
مشيت بخطوات ثابتة ناحية المايك، وعينيا كانت على أمي اللي كانت قاعدة في آخر صف، وبتحاول تداري إيديها المشققة ورا شنطتها القديمة عشان مكسفنيش قدام الدكاترة والناس المهمة.
مسكت المايك، وبصيت للطلبة اللي كانوا بيتريقوا عليا، وللأهالي اللي كانوا بيبعدوا ولادهم عني، وقلت جملة واحدة بس هزت جدران القاعة
أنا النهاردة مش فخور بالشهادة اللي في إيدي.. أنا فخور ب الريحة اللي كنتم بتكرهوها فيا، لأن لولا عرق أمي وتعبها في الزبالة، مكنتش أنا هقف النهاردة قدامكم ك دكتور بيعلم ولادكم.
لحظة الانفجار بالبكاء
أول ما قلت الكلمة دي، السكوت اللي في القاعة اتقلب لشهقات عياط وتصفيق ملوش آخر. نزلت من على المنصة، والكل كان بيفسح لي الطريق بذهول واحترام.
مروحتش للدكاترة أسلم عليهم، ولا وقفت أتصور مع أصحاب الياقات البيضاء. أنا مشيت لحد آخر صف، لحد الست اللي كانت بتحاول تستخبى.
نزلت تحت رجليها، وبستها قدام ال 2000 بني آدم اللي في القاعة، وقلت لها بصوت عالي
ارفعي راسك يا ست الكل.. الشوال اللي كنتِ بتشيليه على كتفك عشان تعلميني، النهاردة بقى هو تاج على راسي. ابن الزبّال اللي كانوا بيعايروني بيه، بقيتي إنتي اللي عملتي منه راجل مبيعرفش يحني راسه غير ليكي.
رد الفعل اللي محدش توقعه
أمي بكت بحرقة وهي بتضمني، وفي اللحظة دي، رئيس الجامعة قام من مكانه ونزل هو وباقي الدكاترة لحد عندها. الدكتور كامل، اللي كان معروف بصرامته، قلع روب التخرج بتاعه وحطه على كتف أمي وقال لها
يا حاجة.. إحنا اللي نتشرف إننا نكرمك. إنتي النهاردة مش بس أم طالب متفوق، إنتي أستاذة لينا كلنا في الصبر والأصل.
الضربة القاضية
للي اتريقوا عليا
الطلبة اللي كانوا بيسموني ابن الزبال كانوا واقفين وشهم في الأرض من الكسوف، والواحد فيهم مش عارف يداري عينه فين. واحد منهم قرب مني وهو بيعيط وقالي سامحني يا مينا.. أنا بفلوس أبويا مجبتش نص تقديرك، وبأخلاقي مطلعتش ربع مروءتك.
رديت عليه بابتسامة هادية المسامح كريم يا صاحبي.. بس افتكر دايماً إن النضافة مش في اللبس، النضافة في القلب اللي بيقدر شقا الناس.
النهاية
خرجت من القاعة وأنا ماسك إيد أمي الخشنة بكل فخر، وركبنا التاكسي لبيتنا الصغير. ومن اليوم ده، مفيش حد في المنطقة بقى يقول مينا ابن الزبال.. بقوا يقولوا الدكتور مينا.. ابن الست اللي ربت وعلمت بطل.
أمي النهاردة م بتلفش على الصناديق، أمي النهاردة هي اللي بتدير مؤسسة مينا الخيرية لمساعدة الطلبة المتفوقين اللي ظروفهم صعبة، عشان مفيش طفل يحس إنه أقل عشان أهله بيشقوا بالحلال.
العبرة الشغل مش عيب، العيب هو إنك تكسر خاطر حد بيعافر عشان لقمة عيشه.. وتأكد إن عرق الكفاح ريحته أطيب عند الله من أغلى برفان في الدنيا.
تفتكروا مينا كان صح لما واجههم كدة في يوم تخرجه ولا كان المفروض يداري أصله؟

تم نسخ الرابط