بعد ماطردها
علشانه… بس علشانه.
بس وأنا شايفة أحمد باصص له كأنه أغلى حاجة في حياته…
خفت.
علشان بعد سنتين من البُعد…
أنا برجع تاني لعالمه.
ومكنتش متخيلة إيه اللي جاي…
العربية المصفحة دخلت من البوابة الحديدية الضخمة لفيلا التجمع. نفس المكان اللي خرجت منه مريم مطرودة بشنطة هدومها وسنتين من الوجع. أحمد شال ياسين اللي كان لسه دايخ من أثر الأدوية، ودخل بيه لأوضة نومه الكبيرة، ونيمه على السرير اللي ريحته خشب وصندل.
أحمد لف لمريم وقال بصوت واطي بس فيه نبرة "أمر":
— "أنا م طردتكيش زمان عشان كرهتك يا مريم.. أنا طردتك لانو (عدويا) كان جوه بيتي، وكنت خايف عليكي منه. بس مكنتش أعرف إنك شايلة ابني في بطنك."
مريم ردت بـ مرارة: "وإيه اللي اتغير دلوقتي؟ ما هو عدوك لسه موجود، وابنك هو اللي دفع التمن!"
أحمد فتح الخزنة وطلع منها (ظرف أسود) ووراه لمريم:
— "اللي عمل كدة في ياسين م كنش عاوز يقتله.. كان عاوز (يلوي دراعي). التحقيقات أثبتت إن الدادة اللي كانت بتساعدك في المخبز، هي اللي كانت بتحط (السم البكتيري) في اللبن بتاع ياسين.. والست دي شغالة تبع (عيلة السيوفي)!"
مريم انهرت تماماً وقعدت على الأرض: "الدادة سعاد؟ دي كانت بتحبه زي ابنها! دي كانت بتأكله بإيدها!"
أحمد كز على سنانه: "المال بيعمي النفوس يا مريم. سعاد اتقبض عليها واعترفت، بس المهم دلوقتي إننا نعرف (مين) اللي في عيلتي هو اللي وصلهم ليكي.. لانو محدش كان يعرف مكانك غيري أنا وسكرتيري الخاص."
في اللحظة دي، دخل "فارس"، سكرتير أحمد المخلص (أو اللي كان فاكره مخلص). كان وشه شاحب وصوته بيترعش:
— "أحمد بيه.. السيوفي بعت رسالة، بيقول فيها إن (ياسين) مجرد بداية، وإن المرة الجاية مش هتبقى بكتيريا، هتبقى (رصاصة) لو م سلمتش شحنة السلاح الجاية."
أحمد بص لـ فارس نظرة طويلة، نظرة خلت فارس يتصبب عرق. أحمد قال ببرود:
— "تمام يا فارس.. بلّغ السيوفي إني موافق، وهقابلهم في (المخزن القديم) الساعة ٢ الفجر."
مريم مسكت إيد أحمد برعب: "إنت هتسيبنا وتمشي؟ هتسلمهم الشحنة؟"
أحمد باس راسها ووشوش لها: "خليكي جنب ياسين.. وم تفتحيش الباب لأي حد مهما حصل."
الساعة ٢ الفجر، أحمد راح المخزن، بس م كنش لوحده. كان معاه (جيش) من الرجالة اللي م بيعرفوش رحمة. السيوفي كان مستني بضحكة شماتة:
— "أخيراً يا منسي.. كسرنا عينك بالولد؟"
أحمد ضحك ضحكة هزت الجدران وطلع (ريموت) صغير:
— "إنت غبي يا سيوفي.. اللي كان بيوصل لك أخباري هو (فارس)، وفارس دلوقتي مرمي تحت رجلي في العربية بره بعد ما اعترف بكل حاجة. أما الشحنة اللي إنت مستنيها.. فـ دي كانت (فخ)!"
في لحظة، المخزن كله اتحاصر، ورجالة المنسي قبضوا على عيلة السيوفي كلهم في عملية واحدة هزت عالم المافيا كله.
تاني يوم الصبح، مريم صحيت لقت أحمد قاعد جنب سرير ياسين، وماسك "الأرنب" وبـ يصلحه بـ إيده. ياسين كان بياكل زبادي وبيضحك لأول مرة من يوم التعب.
أحمد بص لمريم وقال بصدق:
— "مريم.. المخبز بتاعك مش هيتقفل، أنا اشتريت الأرض اللي جنبه وهعمله (مؤسسة خيرية) باسم ياسين. وإنتي.. إنتي م بقتيش مطرودة. أنا هسيب الشغل ده كله، وهبدأ حياة نضيفة عشان خاطر ابني."
مريم سألت بـ شك: "تقدر يا أحمد؟ تقدر تسيب عالم المافيا؟"
أحمد طلع (عقد) مسجل: "أنا سلمت كل أسرار الشغل للبوليس كـ (شاهد ملك)، ودلوقتي أنا تحت حماية الدولة مقابل إني أخلص العالم من عيلة السيوفي.. إحنا دلوقتي أحرار يا مريم."
ياسين كبر وهو فاكر إن أبوه "بطل خارق" أنقذه من الوحوش، ومريم رجعت تفتح مخبزها بس المرة دي كانت بتوزع العيش "حب وفرح" مش وجع. أحمد المنسي بقى بيقف في المخبز كل يوم، بيلبس مريلة دقيق بدل البدلة السودة، وبيشيل ابنه على كتفه وهو بيضحك.
وعرفت مريم إن (السنتين) اللي ضاعوا م كنش ضياع، دول كانوا "اختبار" عشان لما يرجعوا، يرجعوا لـ بعض بجد، مش بـ "خوف".
العبرة: الضنا هو اللي بيحول الوحوش لـ بني آدمين، والحب الصادق بـ يخليك تهد إمبراطوريات عشان خاطر نظرة أمان من طفل صغير.. والماضي مهما كان أسود، (براءة طفل) تقدر تمسحه وتبدأ صفحة جديدة.