مجوش حفلة تخرجي

لمحة نيوز

سابوا حفلة تخرجها عشان يفسحوا اختها، بس بعد ٤ سنين الدنيا دارت وادتهم أقسى درس في حياتهم!

الجو في استاد الجامعة كان هيصة مش طبيعية. أكتر من ١٠ آلاف بني آدم في المدرجات، زغاريد مسمعة لآخر الدنيا، وأهالي شايلين بلالين وبنرات فوسفورية وبيصرخوا بأسامي ولادهم.
بس في وسط الدوشة دي كلها، سارة، البنت اللي عندها ٢٨ سنة، كانت حاسة بسكوت قاتل بياكل في قلبها.
كانت لابسة روب التخرج التقيل، ولحظات وتتخرج "طبيبة وجراحة" بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، الأولى على دفعتها في أصعب كلية في مصر.
المفروض ده يكون أسعد يوم في حياتها، اليوم اللي جنيت فيه تعب سنين. بس عينيها مكنتش قادرة تتحرك من على أول صف في القاعة.
كان فيه ٤ كراسي محجوزين باسم عيلتها. ٤ كراسي مترصصين بالظبط.. والـ ٤ كانوا فاضيين تماماً.
لا كان فيه جاكيت محطوط يحجز مكان، ولا شنطة ست، ولا حتى ازازة مية مشربوش نصها.. كان مجرد "فراغ" من النوع اللي بيوجع بجد.
سارة فضلت ساعات تقنع نفسها بتمثيلية هي مش مصدقاها.. تقول لنفسها "يمكن الطريق واقف"، "يمكن حصل معاهم ظرف بسيط"، أو "يمكن بيعملولي مفاجأة وهيظهروا في آخر لحظة ببوكيه ورد".
بس في أعماق قلبها، هي كانت عارفة الحقيقة المرة.. هما مش جايين. ومش عشان فيه حالة طارئة أو غصب عنهم.
هما مش هنا، عشان هما اختاروا ميكونوش هنا.
أهلها قرروا يطنشوا تخرج بنتهم الكبيرة من كلية الطب، عشان ياخدوا أختها الصغيرة، تيفاني، في رحلة "كروز" لولاي بأسعار خيالية.
والسبب العظيم للاحتفال العائلي ده؟ إن "تيفاني" لسه واصلة لـ ١٠ آلاف فولوور على تيك توك. ١٠ آلاف متابع! عشان كده سابوا دكتورة العيلة لوحدها.
سارة مكنتش متفاجئة أوي، كانت حاسة بتعب قديم ساكن في عضمها من سنين.
خلاص، دقايق والكلمة الرئيسية تبدأ، لما موبايلها اتهز تحت الروب. كانت عارفة مين اللي باعت من قبل ما تبص.
فتحت رسالة الواتساب.. كانت أمها.
— "انبسطي أوي النهاردة يا سارة. إحنا قاعدين بنشرب عصير يجنن قدام حمام السباحة في المركب.. ونبي بلاش دراما (بنت بسكوتة) عشان مروحناش."
والرسالة ختمت بمنتهى القسوة: "وبعدين يعني، هو أنتي بقيتي دكتورة بجد؟ لسه قدامك تكليف ونيابة ومواويل.. بوسات."
سارة فضلت باصة للشاشة المنورة. قرت الكلام مرة.. واتنين.
كانت مستنية، بجد، أي معجزة تخلي الحروف تترتب وتعمل جملة حنينة شوية، بس ده محصلش. هي دي أمها، وطول عمرها كده.
في عيلتها، كل حاجة "منظرة". المهم يبانوا إيه قدام الجيران والناس في النادي.
أبوها كان بيوزع فلوسه وفخره وحنيته كأنها "بيزنس".. بيديها بس في المكان اللي يحس إنه هيجيبله وجاهة اجتماعية.
و"تيفاني"، الأخت الصغيرة، كانت هي المشروع الناجح بالنسبة لهم. بنت "فرفورة"، صوتها عالي، مهتمة بلبسها، وعندها سحر سطحي بيحول الاهتمام لـ "لايكات".
أما سارة، فكانت البنت الهادية. الجادة. اللي بتجيب الدرجات النهائية واتعلمت بالطريقة الصعبة إن التفوق الدراسي مبيشتريش حب الأهل.
وفي عز لحظة الانكسار دي، المذيع أعلن عن المتحدثة الرئيسية للحفلة: الدكتورة الكبيرة فريدة المنشاوي.
القامة الطبية العظيمة مشيت ناحية المنصة والاستاد كله كان بيسقف بحرارة. حطت الملف بتاعها، وبصت للآلاف اللي قدامها، وفجأة، عينيها راحت لسارة في وسط الخريجين.
الدكتورة فريدة ركزت نظرها عليها، وبعدين ببطء شديد، بصت للـ ٤ كراسي الفاضيين اللي جنبها.
سارة شافت وش الدكتورة وهو بيتغير تماماً. في حاجة شعللت في عينيها.
الدكتورة مفتحتش الورقة اللي كاتبة فيها كلمتها.. قفلتها فجأة وقربت من الميكروفون بتحدي.
الجو اتكهرب فجأة، وسارة حست إن نفسها مقطوع، والكل في الاستاد مكنش مصدق اللي هيحصل..
عمّ الصمت أرجاء الاستاد، حتى أنفاس الطلاب كانت مسموعة. الدكتورة فريدة المنشاوي، التي لا يجرؤ أحد على مقاطعتها، أمسكت بالميكروفون ونظرت للجمهور، ثم وجهت يدها مباشرة نحو الصف الأول الفاضي بجانب سارة.

قالت بصوت رزين هز القاعة: "قبل ما أبارك للدكاترة الجدد، عايزة أسأل سؤال واحد.. الكراسي اللي في الصف الأول دي محجوزة لمين؟"

ساد ارتباك بين المنظمين، لكن سارة وقفت ببطء، ودموعها التي حبستها لساعات بدأت تخون جفونها. ردت بصوت مهتز: "دول لأهلي يا دكتورة.. بس الطريق أكيد كان زحمة."

الدكتورة فريدة ابتسمت ابتسامة مريرة وقالت: "الطريق مش زحمة يا دكتورة سارة.. النفوس هي اللي زحمة بالسطحية. أنا عارفة سارة كويس، تابعت أبحاثها وشفت امتيازها، وعرفت إنها النهاردة واقفة لوحدها عشان أهلها اختاروا 'تريند' على تيك توك بدل ما يحضروا ميلاد جراحة عظيمة."

تم نسخ الرابط