مجوش حفلة تخرجي
الاستاد كله بدأ يهمس، وسارة شعرت بالأرض تهتز تحتها. كملت الدكتورة فريدة: "بما إن الكراسي دي فاضية من الناس اللي كان المفروض يسندوها، أنا بدعو سارة تطلع هنا.. مكانك مش تحت يا بنتي، مكانك جنب القامات اللي زيك. ومن اللحظة دي، أنتي نائبتي الخاصة في مستشفى المنشاوي الدولي."
ضج الاستاد بالتصفيق، وسارة طلعت المنصة وهي مش مصدقة إن العوض جيه من "غريبة"، في اللحظة اللي خذلها فيها "الأقربون".
بعد ٤ سنين.. تبدل الأحوال
دارت الأيام، ومرت ٤ سنين زي البرق. سارة مكنتش مجرد دكتورة، بقت "براند" في عالم الجراحة. اسمها بقى بيتردد في المؤتمرات الدولية، وبقت الذراع اليمنى للدكتورة فريدة. اشتريت شقة في أرقى كومباوند، وعربيتها كانت مركونة قدام المستشفى اللي بقت شريكة فيه.
أما في الناحية التانية، فالمركب اللي كان أهله بيشربوا عليه العصير، بدأ يغرق ببطء.
"تيفاني"، الأخت المدللة، وقعت في فخ الشهرة السريعة. عملت فيديوهات مستفزة خلت المتابعين ينقلبوا عليها، ودخلت في قضايا "نشر محتوى غير لائق" خلت أبوها يصرف كل اللي وراه واللي قدامه على المحامين عشان يطلعها من السجن.
الأب خسر شركته في البورصة، والأم اللي كانت بتهتم بـ "البوسات" والصور، اكتشفت إن عندها مرض نادر في الأعصاب، مرض بيخلي الحركة صعبة والكلام شبه مستحيل.. والعلاج؟ مكنش متاح غير في مستشفى واحدة في مصر، وبإشراف جراح واحد بس يقدر يعمل العملية دي.
المواجهة الكبرى في المستشفى
في يوم شتوي بارد، دخل الأب والأم المكسورين لمستشفى المنشاوي. كانوا ماشيين بكتف محني، الأم على كرسي متحرك، والأب لابس بدلة قديمة ومكرمشة، بيحاول يستجدي السكرتارية عشان يقابلوا "الدكتورة الكبيرة" اللي هي الأمل الوحيد.
السكرتيرة قالت ببرود: "الدكتورة سارة جدولها مليان لمدة سنة، والعملية تكلفتها نص مليون جنيه مقدم."
الأب انهار وبكى: "يا بنتي مراتي بتموت، وأنا ممعيش غير الستر.. قوليلها بس إننا ناس غلابة."
في اللحظة دي، انفتحت أبواب الأسانسير، وطلعت سارة. كانت لابسة بالطو أبيض ناصع، وحواليها جيش من الأطباء والمساعدين. وقفت قدامهم.. نفس الوش اللي سابوه وحيد في الاستاد من ٤ سنين، بس المرة دي الوش كان فيه "قوة" مش "كسرة".
الأم، اللي مكنتش بتقدر تتكلم، لما شافت سارة، عينيها اتملت دموع ونطقت بصعوبة: "سا.. رة؟"
سارة بصت لهم بنظرة خالية من الحقد، بس مليانة "دروس". بصت للأب اللي كان بيتجنب يرفع عينه فيها، وقالت ببرود: "أهلاً يا بابا.. الطريق كان زحمة المرة دي كمان؟"
الأب وطى راسه في الأرض: "سامحينا يا بنتي.. تيفاني ضيعتنا، والناس اللي جرينا وراهم سابونا.. أنتي الوحيدة اللي باقية لنا."
سارة قربت من أمها، مسكت إيدها اللي كانت بتترعش، وقالت بصوت هادي: "عارفة يا ماما؟ اليوم اللي أنتي بعتي فيه رسالة (بلاش دراما)، أنا ممسحتهاش. كنت بشوفها كل ما أحس إني هقع، عشان أفتكر إني لازم أكون السند لنفسي."
الأم بدأت تشهق من البكاء، وسارة كملت: "أنا هعملك العملية يا ماما، وهدفع تمنها من جيبي.. مش عشان خايفة على كلام الناس، ولا عشان 'المنظرة' اللي كنتوا بتعيشوا عشانها. أنا هعملها عشان أنا (دكتورة) بجد، وعشان دي أخلاقي اللي الكلية علمتها لي، مش الأخلاق اللي أنتم علمتوها لي."
الدرس الأخير
العملية نجحت، والأم بدأت تتعافى. بس سارة مكنتش موجودة في أوضة الإفاقة. سابت لهم جواب صغير مع السكرتيرة مكتوب فيه:
"أنا قمت بواجبي كدكتورة، وواجبي كبنت. الفلوس اللي كنتوا بتصرفوها على الرحلات والكروز، أنا دفعتها في علاجكم. بس الكرسي الفاضي اللي في قلبي، لسه فاضي.. ومظنش إنه هيتملي تاني. خدو تيفاني وروحوا عيشوا حياتكم، بس المرة دي.. من غير تمثيل."
الأهل خرجوا من المستشفى وهما معاهم "صحتهم"، بس خسرانين "بنتهم" للأبد. عرفوا إن اللايكات والمتابعين بيختفوا مع أول أزمة، بس "العلم" و"الأصل" هما اللي بيبقوا.
سارة وقفت في مكتبها، بصت لشهادة التخرج المتعلقة على الحيطة، وابتسمت لنفسها في المراية.. المرة دي، مكنتش محتاجة حد يسقف لها، لأنها كانت سامعة تصفيق ضميرها اللي كان أعلى من زغاريد ١٠ آلاف بني آدم.
تمت.