الشغالة الغلبانة
لتقييم بعض القطع المفقودة.
خدوها من قدامي! صرخت إسعاد وهي تشير لهنا. الضابط تقدم ليضع الكلبشات في يد البنت المرتعشة، لكن الجواهرجي عم صبحي، الرجل العجوز الذي قضى عمره بين الذهب والأحجار، استوقفه فجأة.
استنى يا حضرة الضابط.. لحظة واحدة يا هانم، قال عم صبحي وهو يرتدي نظارته المكبرة ويمسك بالعقد الذي استردته إسعاد. العقد ده.. مش اللي ضاع منك يا إسعاد هانم!
ساد صمت ذهول في الغرفة. إسعاد هانم ضحكت بسخرية مريرة أنت بتقول إيه يا صبحي؟ ده عقدي، ودي الدلاية المحفور عليها حرفين إ. ف يعني إسعاد وفؤاد جوزي الله يرحمه!
عم صبحي هز رأسه ببطء، وعيناه تلمعان ببريق غريب الذهب مبيكذبش يا هانم. العقد اللي في إيدي ده صناعة يدوية قديمة جداً، والفصوص اللي فيه ألماس حر، لكن العقد اللي ضاع منك وكنت بصلحهولك من سنتين كان تقليد سوبر أنا اللي عامله لك بإيدي لما بعتي الأصلي عشان تسددي ديون مصانع فؤاد بيه قبل ما يموت!
إسعاد هانم تراجعت للخلف وصدمتها ألجمت لسانها أنت بتقول إيه؟ لو ده العقد الأصلي.. يبقى جيه هنا إزاي؟ أنا بعته لتاجر مجهول من ٢٥ سنة!
هنا، انطلقت صرخة مكتومة من صدر هنا وهي تخرج العقد الفضة المصدّي من جيبها والله العظيم ده عقدي أنا! أنا ورثته عن أمي.. وأبويا رجب دايماً كان يقولي إنه فالصو وملوش قيمة، بس أنا كنت بحبه عشان ريحتها!
عم صبحي أخذ العقد الفضة من يد هنا، وبدأ يحكه بقطعة قماش ومادة كيميائية، وفجأة، الطبقة الفضية المصداة بدأت تتقشر لتكشف عن ذهب أبيض براق تحتها. صبحي صرخ بذهول ده مش فالصو يا بنتي! ده العقد التوأم للعقد الذهب! دول كانوا طقم واحد الذهب الأبيض والذهب الأصفر مصنوعين خصيصاً لتوأم.. إسعاد وإيمان!
إسعاد هانم شعرت بالأرض تميد بها. إيمان؟ أختي اللي ماتت في حادثة من ٢٥ سنة؟ والبنت اللي كانت معاها قالوا إنها غرقمت في الترعة؟
عم صبحي بص لهنا بتركيز مرعب يا هانم، بصي للبنت دي كويس.. بصي للشامة اللي في رقبتها، وبصي لعلامة الحرق اللي في إيدها.. دي مش علامات شغالة غلبانة، دي علامات بنت إيمان! العقدين دول كانوا أمانة مع إيمان، والنسخة الذهب الأبيض كانت في رقبة بنتها الرضيعة يوم الحادثة!
هنا بدأت تصرخ وتنادي على أبوها رجب، الذي وصل في تلك اللحظة بعد أن استدعاه الجيران. أول ما دخل رجب ورأى إسعاد هانم والجواهرجي، حاول الهرب، لكن الشرطة أمسكت به.
رجب انهار تماماً واعترف بالحقيقة المرة التي أخفاها ٢٥ سنة أنا مكنتش أبوها! أنا كنت سواق إيمان هانم.. يوم الحادثة العربية انقلبت في الترعة، إيمان ماتت فوراً، بس البنت نجت. شفت العقد في رقبتها وعرفت إنه يسوي ثروة، خدت البنت وربيتها في العزبة عشان محدش يشك فيا، وكنت بداري العقد بدهان فضة رخيص عشان محدش يسرقه مني، وكنت ناوي أبيعه لما تزنق أوي.. بس البنت كبرت وبقت بتصرف عليا، فقلت أخليها خدامة تجيب لي قرشين بدل ما أفضح نفسي!
إسعاد هانم ارتمت في أحضان هنا وهي تبكي بحرقة بنت أختي؟ الغالية اللي كنت فاكراها راحت؟ أنا كنت بذلّك وأنتي من دمي؟
هنا كانت في حالة ذهول، تنظر ليدها التي كانت تمسح الرخام، وتكتشف أنها اليد التي كانت يجب أن ترتدي الألماس. السر الأسود انكشف، والعدالة الإلهية خلت غلطة بسيطة في تبديل عقدين تكون هي السبب في رجوع الحق لأصحابه بعد ربع قرن من الظلم.
تمت.