الساعة كانت ٤الفجر

لمحة نيوز

وبعدين بصت بعيد.

آدم ما ضغطش عليها.

مش الليلة.

“حاولي تنامي.”
قالها وهو بيقوم.
“هنتكلم الصبح.”

وخرج قبل ما تعترض.

لكنه ما رجعش ينام.

نزل لمكتبه.

المكتب اللي كان ملك ٣ أجيال من عيلة السيوفي.

ريحة جلد وسيجار وخشب قديم مالية المكان.

صب لنفسه ويسكي… وفتح اللابتوب.

فتح ملف ليلى.

ليلى مراد.

مواليد المعادي.

خريجة آداب عين شمس.

مدرسة سابقة في مدرسة خاصة.

اتجوزت كريم الدهبي وهي عندها ٢٤ سنة.

طلقت وهي عندها ٢٧.

على الورق… مثالية.

هادية.

صامتة.

زيادة عن اللزوم.

فتح ملف الطلاق.

تعويض كبير.

اتفاق متبادل.

مفيش اتهامات.

مفيش أطفال.

وعقد سرية يمنع أي حد يتكلم.

آدم مسك موبايله.

“عمر” رد بعد تاني رنة، وصوته كله نوم.

“أيوه يا باشا؟”

آدم بص للشاشة قدامه وقال بهدوء مرعب:

“عايز كل حاجة عن كريم الدهبي.”

سكت ثانية.

“كل حاجة؟”

آدم عينه ما رمشتش.

“كل حاجة.”


مرت ثلاث ساعات قبل أن تشرق شمس القاهرة. آدم لم يذق طعم النوم، كان يجلس في مكتبه يراقب ذرات الغبار المتطايرة في ضوء الفجر الرمادي. رن هاتفه، كان "عمر" صوته الآن حاداً ومستيقظاً تماماً.
— "باشا.. الموضوع طلع أعمق بكتير من مجرد طلاق هادي."
آدم عدل جلسته: "انطق يا عمر."
— "كريم الدهبي مش بس نائب رئيس شركة، ده مريض سيطرة. عرفت أوصل للممرضة اللي كانت شغالة في المستشفى الخاص اللي ليلى هانم دخلته من سنتين. التقرير الرسمي بيقول (وقوع من على السلم)، بس الممرضة قالت إن ليلى كانت واصلة بكسر في الضلوع ونزيف داخلي، وكريم دفع مبالغ خيالية للمستشفى عشان التقرير يتغير ويتحفظ في الخزنة السرية."
قبضة آدم شدت على الكأس لدرجة إنه كان هيتكسر في إيده. عمر كمل:
— "والأوسخ من كدة، إنه أجبرها تمضي على عقد السرية وهي تحت تأثير المهدئات في المستشفى، وهددها إنه هيدمر سمعة أبوها وأخوها الصغير لو نطقت بكلمة. الراجل ده مش بس كان بيضربها يا آدم بيه.. ده كان بيكسر روحها بالبطيء."
آدم قفل السكة من غير ما يرد.
الوحش اللي جواه، اللي كان بيحاول يروضه عشان خاطر "المنظر الاجتماعي"، بدأ يخرج عن السيطرة. آدم مكنش بس زعيم مافيا، كان راجل بيقدس حاجة اسمها "الحماية"، وإنه يكتشف إن الست اللي شايلة اسمه كانت بتتعامل كأنها جارية عند واحد "فرفور" زي كريم الدهبي، ده كان إهانة شخصية لآدم قبل ما يكون وجع لليلى.

طلع آدم الجناح مرة تانية. لقى ليلى قاعدة في البلكونة، لابسة روب أبيض واسع، وبتبص للجنينة وهي بتشرب قهوة بإيد بتترعش.
قعد قدامها، وبص في عينيها مباشرة.
— "كريم الدهبي لمس شعرة منك بعد الجواز؟"
ليلى اتصدمت، الكوباية كانت هتقع منها. وشها بقى أبيض زي الورقة.
— "آدم.. أنا قلت لك إني كويسة، ده كان مجرد كابوس—"
— "ليلى،" قاطعها بهدوء يخوف. "أنا عارف عن كسر الضلوع. وعارف عن المستشفى الخاص. وعارف عن عقد السرية اللي مضيتي عليه وأنتي مش في وعيك."
ليلى بدأت تبكي بصمت، دموعها كانت بتنزل زي الشلال. غطت وشها بإيديها:
— "أرجوك يا آدم.. بلاش تفتح السيرة دي. هو واصل جداً، وممكن يأذي أهلي. أنا وافقت أتجوزك عشان كنت فاكرة إن اسم (السيوفي) هو الوحيد اللي هيخليه يخاف يقرب مني تاني."
آدم قام وقف، وقرب منها، ولأول مرة يمد إيده ويمسح دموعها بصباعه الكبير.
— "إنتي اتجوزتيني عشان الحماية.. وده حقك. بس اللي إنتي متعرفهوش عن آدم السيوفي، إني مابحيمش حد وأنا سايب اللي آذاه بيمشي على الأرض ملك. كريم الدهبي النهاردة هيفهم إن الله حق."

في ليلة ممطرة، كان كريم الدهبي قاعد في مطعم فاخر في الزمالك، بيحتفل بصفقة جديدة مع شركاء أجانب. كان بيضحك بملء فيه، والسيجار الغالي في إيده، وبيرسم دور الراجل المتحضر المثالي.
فجأة، المطعم كله سكت.
أربعة رجالة ببدل سوداء وضخمة دخلوا، ووقفوا صفين. وبعدين دخل آدم السيوفي.
الجو اتكهرب. كريم اتعدل في مكانه، وحاول يرسم ابتسامة ثقة:
— "آدم بيه! يا محاسن الصدف.. تحب تشاركنا العشا؟"
آدم مشي لغاية ترابيزة كريم، ومسك كرسي وقعد عكسي، وسند دراعاته على ضهر الكرسي وبص لكريم بابتسامة خبيثة:
— "لا يا كريم.. أنا مش جاي أتعشى. أنا جاي أرد لك أمانة كانت عندك."
كريم عقد حاجبه: "أمانة إيه؟"
آدم طلع من جيبه "ظرف" ورماه على الترابيزة. كريم فتحه، ووشه بقى لونه أزرق. كانت صور الأشعة القديمة لليلى، ومعاها اعتراف مسجل من الدكتور اللي زور التقرير.
— "آدم بيه، دي أمور عائلية قديمة وانتهت بالاتفاق—"
آدم قام وقف فجأة، وبحركة خاطفة، مسك كريم من كرافتته وشده عليه لدرجة إن كراسي الترابيزة وقعت:
— "ليلى مراد السيوفي.. ده اسمها دلوقتي. وأي وجع حست بيه وهي معاك، هتردهولي دلوقتي بالثانية. العقد اللي مضيتها عليه؟ أنا بللته وشربت ميته الصبح. والشركة اللي أنت فرحان بيها؟ من بكرة الصبح الضرائب والرقابة الإدارية هيكونوا ضيوف عندك بناءً على ملفات 'هدايا' مني."
كريم بدأ يترعش: "أنت بتهددني؟ أنت متعرفش أنا مين!"
آدم ضحك بصوت عالي: "أنا عارف أنت مين.. أنت نكرة. أنت راجل مابيعرفش يستقوى غير على ست غلبانة. والنهاردة، أنا هعلمك يعني إيه رجولة."
آدم ما ضربوش.
آدم سابه وخرج.
بس وهو خارج، شاور لرجالته.
في ظرف دقايق، كريم الدهبي كان "بيتسحل" ورا المطعم، مش عشان يتقتل، لكن عشان يتداس على كرامته قدام كل الناس اللي كان بيتمسخر قدامهم، ويتعرف حقيقته كـ "ضارب ستات".

رجع آدم الفيلا. دخل الجناح لقى ليلى لسه صاحية ومستنياه.
بصت له بقلق: "آدم؟ عملت إيه؟"
آدم قلع جاكيت البدلة ورماه على الكرسي: "عملت اللي كان لازم يتعمل من زمان. كريم الدهبي مابقاش ليه وجود في حياتك، ولا في سوق العمل، ولا حتى في خيالك. من بكرة، الملف ده هيتقفل للأبد."
ليلى قربت منه ببطء، ولأول مرة هي اللي تمد إيدها وتمسك إيده.
— "ليه عملت كل ده؟ إحنا جوازنا مصلحة.."
آدم شدها عليه، وبص في عينيها بحنان مكنتش تتخيله من "زعيم مافيا":
— "يمكن بدأ مصلحة.. بس اللي يلمس حاجة تخص السيوفي، يبقى حكم على نفسه بالموت. وإنتي بقيتي تخصيني يا ليلى. مفيش كوابيس تاني.. أنا هنا."
ليلى سندت راسها على صدره، ولأول مرة من سنين، حست إنها بتتنفس صح.
عرفت إن ربنا عوضها بـ "وحش" بيحميها، بدل "ندل" كان بيكسرها.
ومن الليلة دي، الكوابيس اختفت، وحل مكانها نوم هادي في حضن الراجل اللي خلاها تعرف إن "الأسد" مبيفترسش أهل بيته، هو بس بيحرق الغابة عشان خاطرهم.
**تمت.**
 

تم نسخ الرابط