عيلة جوزي
لكن ليلة الخميس كانت القشة التي قصمت ظهر الصبر. عندما رأت اليافطة المكتوب عليها اسم أخته التي يسبق عيد ميلادها موعده بثلاثة أسابيع كاملة، فهمت كل شيء؛ الاحتفال تم تقديمه عمداً في نفس يوم عيد ميلادها فقط لجمع العائلة وإقصائها هي، ليكون رسالة صامتة ومؤذية مفادها: "أنتِ لستِ منا".
في الساعة العاشرة من صباح الجمعة، كان مصطفى يقف أمام باب شقة حماه، "الحاج جلال"، في حي مصر الجديدة. كان يلهث، وعرقه يتصبب، ووجهه يحمل علامات الرعب بعد أن وجد دولاب بيته فارغاً، ووجد دبلة زوجته ترقد في الظرف الأسود فوق السفرة بجوار دفتري التوفير اللذين سحبت منهما حقها المالي بالمليم.
طرق الباب بعنف وجنون.
— "منى! منى افتحي أرجوكي! اسمعيني بس!" صرخ مصطفى وهو يضرب الخشب بيديه.
انفتح الباب ببطء، لكن لم تكن منى هي من فتحت. كان الحاج جلال، رجل في الستين من عمره، يملك ملامح حادة مهيبة ونظرات تشبه الصخر. كان يرتدي جلبابه الأبيض الوقور، وخلفه كان يقف اثنان من رجال الشرطة بملابسهم الرسمية، ومعهما محامٍ شاب يحمل حقيبة جلدية سوداء.
مصطفى تراجع خطوة للخلف بتلعثم ورعب: "عمي.. جلال؟ فيه إيه؟ ومين الناس دي؟ أنا جاي لمراتي!"
الحاج جلال لم يتزحزح من مكانه، ولم ينفعل، بل نظر لمصطفى بنظرة احتقار جعلت الأخير يشعر بصغر حجمه.
— الحاج جلال بصوت جهوري هز ردهة البناية: "مراتك مابقاش ليها وجود في حياتك يا مصطفى. اللي واقفة قدامك دي السيدة منى جلال، وبنت الأصول اللي افتكرت إن مالهاش ضهر يحميها ويجيب لها حقها لما عيلتك تقرر تهينها في يوم عيد ميلادها."
المحامي تقدم خطوة وأخرج من حقيبته حافظة مستندات رسمية:
— "السيد مصطفى، بصفتي الوكيل القانوني للمدام منى، اتفضل استلم إعلان دعوى الطلاق للضرر والهجر النفسي والتعسف. ومش بس كده، اتفضل استلم كمان المحضر الرسمي الموجه ضدك وضد والدتك السيدة ميرفت بتهمة (التفريط في الأمانة والاستيلاء على ممتلكات الغير)."
مصطفى اتسعت عيناه بصدمة: "سرقة إيه وتفريط إيه؟ أنا ملمستش حاجة!"
في تلك اللحظة، ظهرت منى من خلف والدها. كانت ترتدي عباءة سوداء أنيقة، ووجهها خاوٍ من الدموع، بل كان يحمل قوة وثباتاً أرعب مصطفى. نظرت إليه وقالت بجفاف:
— "الدهب بتاعي يا مصطفى. الشبكة والورث اللي أمي سابتهولي قبل ما تموت، واللي مامتك (مدام ميرفت) أصرت تاخده بحجة إنه يتشال في خزنتها عشان الشقة هنا أرضي ومش أمان. أنا كلمت البنك الصبح وعملت جرد، واكتشفت إن مامتك سحبت الطقم الألماسي بتاعي الأسبوع اللي فات، ولبسته لأختك منة في الحفلة البارحة.. شفتها في الفيديو اللي بنت عمك نزلته على ستوري إنستغرام وهي فرحانة بيه!"
### **يوم الحساب وجبر الخواطر**
سقطت الكلمات على رأس مصطفى كالصاعقة. تذكر ليلتها كيف كانت منة تتباهى بعقد لامع، وكيف قالت أمه إنها استعارته من صديقة. لم يكن يعلم أن أمه بلغت بها الوقاحة حد سرقة مصاغ زوجته لتهديه لابنتها في ليلة عيد ميلاد زوجته المحطمة.
— مصطفى باكياً ومتوسلاً: "منى.. أنا والله ما كنت أعرف بموضوع الدهب! أمي هي اللي عملت كده من ورايا! أرجوكي بلاش فضايح وبلاش شرطة، إحنا أهل!"
— الحاج جلال قاطعه بصرامة: "الأهل هما اللي يصونوا العِرض والأمانة يا ابن رأفت. أمك نزلت الصبح البنك وهي فاكرة إن البلاغ مش هيتحرك، والآن القوة الأمنية دي متوجهة لبيت والدك لتنفيذ أمر ضبط وإحضار وتفتيش للفيلا لاسترداد الذهب المسروق، وإحنا هنا عشان نثبت إنك كنت شريك بالصمت والتهاون."
الضابط تقدم ووضع القيد الحديدي في يد مصطفى: "اتفضل معانا يا فندم على القسم لاستكمال التحقيق في البلاغ المقدم."
تم اقتياد مصطفى إلى سيارة الشرطة وسط ذهول الجيران. وفي نفس الساعة، كانت قوة أخرى تقتحم قصر الحاج رأفت، حيث انهارت مدام ميرفت وهي تُساق إلى سيارة الترحيلات بزينتها وفستانها الفاخر بتهمة خيانة الأمانة والسرقة، بينما كانت منة تبكي بانهيار بعد أن سحب الضباط العقد الألماسي من علبتها المخملية.
الحاج رأفت، الذي كان يظن نفسه كبيراً للمنطقة، أجبر على دفع كل مليم من مؤخر الصداق ونفقة المتعة لمنى لتتنازل عن القضية الجنائية وتنقذ ابنه وزوجته من غياهب السجن، وتم الطلاق رسمياً في المحكمة خلال أسبوع واحد وبشروط منى بالكامل.
بعد شهر من تلك الحادثة..
كانت منى تجلس في مكتبها الجديد بشركة المقاولات التي ترقت لتصبح مديرة حساباتها الإقليمية. كانت الشمس تملأ الغرفة دافئة، وبجوارها باقة ورد ضخمة أرسلها لها والدها مكتوب عليها: "كل يوم وأنتِ طيبة يا ملكة قلبي.. مقامك فوق السحاب".
التفتت منى ونظرت إلى دبلتها القديمة التي صهرتها وحولتها إلى خاتم جديد رقيق يزين إصبعها، وابتسمت. عرفت أن عائلة مصطفى لم ينسوا عيد ميلادها؛ هما فقط أرادوا كسرها، لكن كسرهم كان أبدياً. وبقي مصطفى وعائلته يعيشون في فضيحة لا تمحوها الأيام، في بيت انطفأت أنواره يوم أن طردوا منه الروح والصدق والأمانة.
**تمت.**