الصيف ده حكايات انجي الخطيب
عايز أروح هناك، قالها بصوت مخنوق.
عارفة يا حبيبي.
أنا مرتب كل حاجة مع عمي توفيق.. ووعدني يديني تمانمية جنيه في الأسبوع، وهيعلمني إزاي أفك وأصلح المواتير بنفسي.
أنا فاكرة كلامنا يا حازم، ومش ناسياك.
قعد على حرف السرير، وضم إيديه لاتنين لبعض، كأنه راجل كبير شايل الهم وبيحاول يدور على مبرر ل كلمة لا عشان ما يطلعش غلطان. كان باين عليه مكسور ومذنب، رغم إنه ما عملش أي حاجة غلط.
بابا كان عارف؟ سألني في الآخر وعينه في الأرض.
هعرف دلوقتي حالا هو كان عارف إيه بالظبط وبايع إيه.
خرجت الصالة، حطيت التذكرة قدامي على السفرة، وطلبت رقم محمد.
محمد، أنت فاضي دقيقة؟
شغال يا مروة.. واقف في كمين على الطريق الزراعي. خير في إيه؟
أنت اللي أخدت بطاقة حازم وشهادة ميلاده وبعتهم لوالدتك؟
الخط قطع منه الصوت للحظات.. سكوت تام.
آه، أنا اللي بعتهم. في إيه بقى؟...
أيوة، دي تكملة وخاتمة طويلة بنفس أسلوب القصة
سكت ثانيتين وأنا ماسكة الموبايل.
وبعدين قلت
يعني كنت عارف؟
محمد اتنهد من الناحية التانية.
يا مروة، أمي قالت إن هند محتاجة مساعدة شهرين تلاتة، والواد هيغير جو شوية. مكبرة الموضوع ليه؟
ضحكت ضحكة قصيرة من كتر القهر.
شهرين تلاتة؟
أيوة.
وهي لما قالت لك إنه هيصحى بالليل يرضع البيبي ويغيرله الحفاض، قالتها برضه؟
سكت.
عرفت من سكوته إنه ماكانش يعرف.
كملت
ولما قالت إنه هيسيب الشغل اللي رتبه مع عمه توفيق؟ قالت لك؟
شغل إيه؟
قفلت عيني.
حازم كان عنده حق.
أبوه ماكانش يعرف أصلًا.
كل اللي عمله إنه سمع كلام أمه وبعت الأوراق وخلاص.
قلت بهدوء
ابنك بقاله شهرين بيحلم بالشغلانة دي. بيصحى كل يوم يتفرج على فيديوهات المواتير. بيجمع فلوسه علشان يشتري عدة خاصة بيه.
سكت محمد.
وبعدين قال
استني لما أرجع البيت نتكلم.
لأ.
يعني إيه لأ؟
الموضوع هيتحسم النهارده.
قفلت المكالمة.
ورجعت الصالة.
لقيت الحاجة كريمة قاعدة مستريحة وبتشرب الشاي.
كأنها صاحبة القرار النهائي.
قلت
حازم مش هيسافر.
رفعت عينها ببطء.
مين اللي قرر؟
أنا.
ضحكت بسخرية.
وإنتِ من إمتى القرار عندك لوحدك؟
قربت من السفرة.
وخدت التذكرة من عليها.
وبدأت أقطعها قدامها حتة حتة.
صوت الورق وهو بيتقطع كان عالي بشكل غريب.
الحاجة كريمة قامت واقفة.
إنتِ اتجننتي؟
لا.
قطعت الجزء اللي فيه رقم القطار.
أنا بس فهمت.
فهمتي إيه؟
إنكم مقررين مستقبل ابني من غير ما حد حتى يسأله.
ورميت آخر حتة ورق في سلة المهملات.
وشها بقى أحمر من الغضب.
محمد مش هيسكت على اللي عملتيه.
محمد نفسه ماكانش يعرف نص اللي إنتِ مخبياه.
في اللحظة دي خرج حازم من أوضته.
واقف عند الباب.
وسامع كل حاجة.
بصت له جدته.
وقالت
إنت موافق على قلة الأدب دي؟
حازم بلع ريقه.
واضح إنه متوتر.
لكن لأول مرة
رفع رأسه وقال
أنا مش عايز أسافر يا تيتة.
الصمت نزل على المكان.
الحاجة كريمة رمشت كذا مرة.
كأنها مش متخيلة إنه يرد عليها.
إيه؟
أنا عايز أشتغل مع عمي توفيق.
شغل إيه اللي أهم من خالتك؟
مش أهم.
سكت لحظة.
وبعدين قال
بس ده مستقبلي.
الكلمة دي أصابتها في مقتل.
مستقبلي.
مش خدمة.
مش واجب.
مش أوامر.
مستقبل.
الحاجة كريمة لمت شنطتها بعصبية.
وقالت وهي متجهة للباب
واضح إن أمك علمتك العصيان.
حازم رد بهدوء
لا يا تيتة.
أمي علمتني أقول رأيي.
خرجت وهي بتخبط الباب وراها.
ولأول مرة من سنين
الشقة بقت هادية.
قعد حازم على الكرسي.
وبصلي.
وقال بصوت مكسور
إنتِ زعلانة مني؟
اتصدمت.
زعلانة منك ليه؟
علشان عملت مشاكل.
قربت منه.
ومسكت وشه بين إيديا.
وقلت
اسمعني كويس.
محدش في الدنيا له حق يقرر حياتك غيرك.
الناس تنصحك.
تحبك.
تساعدك.
لكن ما تعيشش مكانك.
دموع خفيفة لمعت في عينه.
وقال
يعني هشتغل مع عمي؟
ابتسمت.
لو لسه عايز؟
هز رأسه بسرعة.
ضحكت.
يبقى هتشتغل.
بعد ساعتين رجع محمد البيت.
كنت مستعدة لخناقة كبيرة.
لكن المفاجأة إنه دخل أوضة حازم مباشرة.
وقعد معاه أكتر من ساعة.
ولما خرج
كان شكله مختلف.
قعد قدامي وقال
أنا غلطت.
بصيت له باستغراب.
كمل
الواد وراني الكراسة اللي كاتب فيها أحلامه وخططه.
سكت شوية.
أول مرة أخد بالي إنه كبر فعلًا.
في اليوم اللي بعده
راح محمد بنفسه مع حازم لورشة عمه توفيق.
وشافه وهو بيتعلم.
وبيسأل.
وبيفك ويركب.
ورجع آخر النهار مبتسم.
وقال
الواد عنده موهبة فعلًا.
عدى الصيف.
وحازم ما سافرش.
اشتغل.
واتعلم.
وجمع أول مرتب في حياته.
ولما قبض أول فلوس
رجع البيت وجاب علبة جاتوه صغيرة.
وحطها على السفرة.
وقال بفخر
دي من أول مرتب.
بصيت للعلبة.
وبعدين بصيت له.
وافتكرت التذكرة اللي كانت محطوطة مكانها من شهور.
التذكرة اللي كانت هتاخده بعيد عن حلمه.
بعيد عن اختياراته.
وبعيد عن أول خطوة في طريقه.
وساعتها
بس فهمت
إن أصعب حاجة في تربية الأولاد مش إنك تحميهم.
لكن إنك تدافع عن حقهم في إنهم يعيشوا حياتهم هما.
مش الحياة اللي غيرهم رسمها لهم.
تمت