حماتي كانت كل اسبوع حكايات بسمه

لمحة نيوز

مد إيده بسرعة يمسك الورقة.

لكن سحبتها قبل ما يلمسها.

وقلت:

“الغريب إنك طلبت مني أسيب الشغل… قبل ما تعرف إن دي أكبر فرصة في حياتنا.”

في اللحظة دي، رن موبايله.

كانت حماته.

فتح السماعة من غير ما يقصد.

سمعناها بتقول بصوت واضح:

“ها… مضتها الاستقالة؟ لازم تسيب الشغل قبل ما تعرف الحقيقة.”

اتجمدنا إحنا الاتنين.

قلتله بهدوء:

“حقيقة إيه؟”

قبل ما يرد، كملت حماته وهي فاكرة إنها بتكلمه لوحده:

“أصل لو فضلت في الشركة، أكيد هتعرف إن بنت أختها هي اللي هتمسك مكانها بعد ما تسيب الشغل… وساعتها كل اللي خططناله هيبوظ.”

بصلي جوزي بصدمة.

لكن الصدمة الحقيقية كانت لما فتحت شنطتي، وطلعت ظرف أبيض، وحطيته قدامه.

قلتله:

“أنا بالفعل عرفت… بس مش ده اللي جوه الظرف.”

فتح الظرف بإيد بتترعش…

وأول ما قرأ أول سطر، وشه فقد لونه بالكامل، وبص لأمه في التليفون وهو بيهمس:

“إنتِ… عملتي إيه؟”
حكايات بسمة

استقر الصمتُ في صالة البنك العريضة، وعيون موظفي الحسابات اتجهت إلينا بنظرات استغراب وترقب. كانت المكالمة المفتوحة في هاتف زوجي "طارق" ما زالت تبث صوت أمه القاسي، وهي متوقعة أنه يتحدث إليها بمفرده بعيداً عني.
طارق كان واقفاً كالصنم، إيده المترعشة ماسكة الظرف الأبيض، والدم انسحب من وشه بالكامل حتى صار أبيض كالميت. عيونه كانت تتنقل بين السطور المكتوبة في الورقة التي أخرجها من الظرف، وبين الشاشة التي أظهرت المكالمة المعلقة.
قال طارق بصوت بحششرة وذهول وهو بيكلم أمه في الموبايل:
— "أنتِ... أنتِ عملتي إيه يا ماما؟! الورقة دي... دي مستند رسمي بنصيب الشقة والأرض اللي كتبتيها باسم بنت خالتك من ورايا، وبأختام تفويض بصمتي عليها من سنة وأنا فاكرها أوراق قسط السيارة?!"
صوت حماتي اتجمد على الناحية الثانية من الخط، وقفت لثوانٍ مش عارفة ترد ولا تلاقي كذبة سريعة، وبعدها صرخت بتوتر وارتباك شديد:
— "طارق؟! أنت فاتح السماعة؟! مين اللي معاك؟! الست دي جنبتك وعملت لك عمل ولا إيه؟! قفل الموبايل وتعالي البيت فوراً!"
أنا أخذت الهاتف من إيده بكل ثبات وهدوء، وقرّبته من بؤي وقلت بابتسامة نصر وكرامة:
— "لا يا طنط... طارق مش هيجي، ولا فيه عمل ولا خرافات. طارق للأسف لسه قارئ التقرير المالي والقانوني كاملاً. التقرير اللي بيثبت إن حضرتك كنتِ بتستغلي ثقته وقلة خبرته المالية، وبتخليه يبصم على توكيلات رسمية تحول فلوسه وأصوله اللي بيقتطعها من قوت بيته وولاده عشان تؤمني بيها بيت وبنت أختك!"
طارق صرخ في الموبايل بصوت هز جدران البنك:
— "ليه يا ماما؟! ليه تعملي فيا كده؟! طول السنين دي بتملي دماغي بتقوليللي 'خلي بالك مراتك هتسيبك... مراتك هتشوف نفسها عليك بالنجاح والفلوس'... وأنتِ اللي كنتِ بتستغلي نجاح مراتي اللي شايلة مصاريف البيت، عشان تسحبي مني مرتبي بالكامل وتأمني بيه غيري وتخليني أطرد مراتي من شغلها عشان بنت أختك تاخد مكانها?!"
حماتي بدأت تصرخ وتتلوى وتحاول تقلب الطاولة كعادتها:
— "أنا أمك! أنا كنت خايفة عليك! كنت عايزة أضمن لك قرش للزمن من ورا مراتك اللي فارضة شخصيتها بفلوسها! أنت بتبدي مرتك عليا يا طارق؟!"
صرخ فيها طارق بمنتهى القسوة والحرقة لأول مرة في حياته:
— "مراتي هي اللي كانت صايشة بيتي وولادي! مراتي هي اللي بتدفع أقساط الشقة والمدرسة والعربية من مرتبها، وأنتِ بتسرقيني بالورق والتزوير وتزنّي في أذني عشان أخرب بيتي بإيدي! قفلي يا أمي... قفلي وما ترنيش عليا تاني إلا لما ترجعيلي كل جنيه اتسرق مني!"
قفل طارق السكة في وش أمه، وسقط على الكرسي الخاص بالبنك وهو حاطط إيديه الاثنين على وشها وبيعيط بحرقة خيبة الأمل والانكشاف.
بصلي بنظرة مليانة رجاء وندم وكسرة وقال:
— "سامحيني يا ندى... أنا كنت أعمى ومغيب. كنت ماشي ورا كلامها وفاكر إنها خايفة على كرامتي وراجل بيتي، طلعت أنا اللي بضيع بيتي وبعيش على قفاكي وبسرق نفسي وأهلي عشان أوهام!"
رفعت رأسي بثبات، وحطيت استقالتي المطبوعة في شنطتي، وطلعت جواب الترقية الجديد ووقعت عليه قدامه بنسختين:
— "أنا سامحت في حق تعبي، لكن كرامتي وشغلي واستقلالي خط أحمر يا طارق. أنا بشتغل عشان أستر بيتي وعيلتي، مش عشان أكون ضحية لمؤامرات وعقد نفسية. من النهاردة... حسابات البيت هتكون مكشوفة وواضحة، وحدود أهلك مقفولة تماماً عن حياتنا المالية والشخصية. لو موافق... نرجع نبني بيتنا على نظافة وصراحة. لو مش موافق... يبقى الاستقالة دي مش من شغلي، دي هتكون استقالة من جوازنا كله."
طارق مسك إيدي بلهفة وبكى، ووعدني بعهود قاطعة إنه هيتغير 180 درجة، وأول خطوة عملها إنه غيّر كل التوكيلات، واسترد أصوله وفلوسه بالقانون من أمه وبنت أختها، وحط حد فاصل وقاطع بين تدحلبات حماتي وبين حياتنا الشخصية.
النهاية:
رجعت لشغلي واستلمت ترقيتي الجديدة بمرتب مضاعف ومكانة مرموقة، وبيتي رجع له الاستقرار والأمان.
حماتي قعدت في بيتها مكسورة ومش قادرة ترفع عينها في عين حد من القرايب بعد ما الفضيحة المالية والأوراق اتكشفت قدام العيلة كلها، وبنت أختها اترفضت من الشركة تماماً بعد التقرير الأمني والرقابي اللي اترفع في حقها.
أما أنا... فاستمريت في نجاحي ورأسي مرفوعة فوق للسماء... اتعلمت الدرس الأهم في حياتي: إن الست الناجحة الشاطرة مش بتسيب جوزها لما تكسب وتستقل، لكن بتعلم جوزها إزاي يحترم كرامتها وشقاها، وإن الحق لما يتقال بصوت عالي وبيبان، ربنا بيكشف الخائن والمفتري ويحفظ لصاحب النية الصافية هيبته وقيمته للأبد.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية 🦋🦋🦋
 

تم نسخ الرابط