روحت المدرسه لقيت بنتي
اتجمد مكانه.
هو يعرف الخط ده.
يعرفه كويس جدًا.
ده خط سلمى.
مراته اللي ماتت من سنتين.
كريم حس إن نفسه اتقطع.
بص للبنت.
وبعدين للورقة.
وبعدين رجع بص للبنت تاني.
كان فيه سؤال واحد بيلف في دماغه
إزاي بنت عندها ١٦ سنة، عايشة بين بيوت مؤقتة ومش مستقرة، معاها جواب مكتوب بخط مراتي المتوفية؟
مد إيده ناحية الورقة.
لكن نور شدت الشنطة لصدرها بسرعة.
لأ.
كريم بص لها
الورقة دي إيه؟
البنت سكتت.
ليان بصت لهم الاتنين.
كريم قال
نور الورقة دي مكتوبة بخط مين؟
البنت فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين قالت بصوت واطي
مراتك.
قلب كريم دق بعنف.
إنتِ تعرفي سلمى؟
نور هزت راسها.
عرفتها من زمان.
كريم حس إن رجله مش شايلاه.
إزاي؟
البنت حضنت الشنطة أكتر.
وبعدين قالت
هي اللي ادتني الجواب ده.
سكت كريم.
إمتى؟
قبل ما تموت.
الدم اتسحب من وشه.
وليه؟
نور بصت لليان.
وبعدين قالت
قالت لي لو حصل لها حاجة ما أرميهوش أبدًا.
كريم قرب منها.
هي قالت لك إيه كمان؟
نور ما ردتش.
فتحت شنطتها شوية، وطلعت الظرف.
كان قديم، وحوافه متنية من كتر ما اتفتح واتقفل.
مدته لكريم.
لكن قبل ما ياخده، قالت
هي قالت لي حاجة تانية.
إيه؟
بصت له في عينه وقالت
قالت إنك لو عرفت إني موجودة هتدور على الحقيقة.
كريم حس بقشعريرة.
حقيقة إيه؟
نور وطت عينيها.
حقيقة اللي حصل قبل ما سلمى تموت.
اتجمد كريم.
مراته ماتت من سنتين.
وكان طول الوقت فاكر إنه عارف كل حاجة عن آخر أيامها.
لكن دلوقتي
بنت غريبة ظهرت قدام مدرسته.
ومعاها جواب بخط مراته.
والبنت بتقول له إن سلمى كانت مخبية عنه حقيقة كاملة.
كريم مد إيده للظرف.
وفي اللحظة اللي لمسه فيها
لاحظ حاجة صغيرة مكتوبة على ظهره.
اسم شخص تاني.
اسم كريم عمره ما سمعه من سلمى قبل كده.
ورفع عينيه لنور وقال
مين الشخص ده؟
نور ابتلعت ريقها.
وبصوت متردد قالت
أبويا.
كريم حس إن الدنيا وقفت.
لأن سلمى
كانت طول عمرها بتقول له إن أبوها اتوفي قبل ما تتجوزه.!!!
ساد صمت قاطع على الرصيف، وكان صوت سريان السيارات في الشارع يبدو كأنه صادر من عالم آخر بعيد تمامًا. كريم كان واقفًا في مكانه مذهولاً، وإيده الممتدة للظرف كانت بتترعش كأن كهرباء سرت فيها.
الاسم المكتوب بخط سلمى الناعم على ظهر الظرف كان منير المنسي.
نزل كريم على ركبتيه أمام نور المراهقة عشان يوصل لمستوى عينيها، ونبرة صوته المليانة صدمة وذهول طالعة بالعين بالعافية
أبوكي؟! سلمى كانت بتقول لي إن والدها اتوفي وأ هي صغيرة جدًا وما لهاش قرايب... إزاي منير ده يكون أبوكي، وليه سلمى كاتبة اسمه هنا؟!
نور دموعها حبستها بالعافية، وحضنت الشنطة المتقطعة أكتر وقالت بصوت خافت
عشان سلمى... ما كانتش مجرد ست طليقة أو غريبة يا أستاذ كريم. سلمى كانت أختي الكبيرة من الأب... أختي اللي أنا ما عرفتهاش إلا في آخر سنة من حياتها!
الكلمة نزلت على كريم زي الصاعقة. الأرض تحت رجليه اهتزت. ليان بنته قربت ومسكت إيد نور وواقفة بتسمع الصدمة بذهول.
كملت نور بمرارة ودموعها بدأت تنزل
أبويا منير كان شخص مستهتر وضيّع حياتنا كلنا. ساب سلمى وأمها زمان من غير ما يسأل عنهم، ولما كبرت سلمى واتجوزتك وعاشت حياتها المرفّهة، أبويا جه اتجوز أمي ومشي وسابنا إحنا كمان في الفقر والديون لما مرض بالسرطان. قبل وفاة سلمى بسنة، عرفت بطريقتها إن ليها أخت أصغر منها عايشة في منطقة عشوائية وبتعاني، وجاتلي المدرسة الخاصة دي بالسر... كانت بتيجي تزورني وتدفعلي المصاريف وتسيبلي كتب ودروس، وكانت بتبكي وهي بتقول لي أنا بعوضك عن كل الظلم اللي أبويا عمله فينا إحنا الاتنين.
كريم فتح الظرف ببطء شديد، وطلع الرسالة المكتوبة بخط مراته الراحلة، وقرأ السطور الأولى الموجهة له شخصيًا
حبيبي كريم... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا فارقت الدنيا، ونور بين إيديك. أنا ما حكيتلكش عن نور ولا عن أبويا عشان كنت خايفة من الماضي ومحروجة من استغلال أبويا ليك ولشركتك لو عرف بوجودك. بس نور مالهاش ذنب في أي حاجة... نور ذكية جدًا وموهوبة في الرياضيات والتعليم، ونفسي تتربى جنب اختها ليان وتكمل تعليمها في نفس المدرسة. أرجوك يا كريم... ما تسيبش أخت ليان في الشارع، كمل اللي أنا بدأته.
كريم رفع راسه وهو مش مصدق. اتجمعت الدموع في عينيه، وبص لنور اللي كانت واقفة خايفة ومستنية رد فعله، وخايفة يطردها أو يتهرب منها.
التفت كريم لبنته ليان، ولقاها باصة له بنظرة رجاء وأمل... نفس الابتسامة والأمل اللي غابوا عن وشها من سنتين، ولقاهم النهاردة وهو شايفها قاعدة مع نور على الرصيف بتضحك بتلقائية.
قعد كريم على الرصيف جنبهم، ومسح دموعه بثبات، وتطلع في نور بعيون مليانة حنان وأبوة صادقة
سلمى ما كانتش مخبية عني حقيقة عشان تخون ثقتي يا نور... سلمى كانت بتحميكي وبتحمي بيتنا. ومن النهاردة... الشنطة المتقطعة دي مش هتتشال تاني، وما فيش قعدة على الرصيف بالبرد ده.
قام كريم وقف، ومسك إيد نور بإيد، وإيد بنته ليان بالإيد التانية، وقال بنبرة واثقة هزة الشارع
إنتِ مش هتروحي في أي مكان تاني يا نور... إنتِ هترجعي معانا البيت، وهتدخلي نفس مدرسة ليان، وأنا اللي هكون مسؤول عنك وعن مستقبلك زي ما سلمى كانت بتتمنى بالظبط.
ابتسمت نور لأول مرة ابتسامة صافية طال انتظارها، وليان ضحكت بحرارة وحضنت أختها الكبيرة، وكريم شعر لأول مرة منذ سنتين إن روح سلمى الدافئة عادت لترمم البيت وتملأ حياتهم بالأمل والبركة من جديد.
تمت