جوزي وحماتي سابوني في العيد
جوزي سابني وأنا في جلسة الكيماوي عشان يسافر رحلة فخمة مع أمه — وبعدها ال حصلهم مكنش متوقع
أنا نورا، عندي 30 سنة، والسنة اللي فاتت تقريبًا دمّرتني. كنت في عز جلسات الكيماوي — ضعيفة، دايخة، بالعافية واقفة — وكنت فاكرة بجد إن جوزي هيكون سندي.
خمس سنين جواز. خمس سنين وعود. كنت متخيلة إنه هيمسك إيدي في كل جلسة. طلعت غلطانة.
قبل العيد بأسبوع، جوزي جاله اتصال من أمه.
كانت مخططة رحلة رفاهية لمدة أسبوع تحتفل بيها بعيد ميلادها وعيد ميلاد جوزي، وقررت تدمج معاها العيد
قال لها بحذر:
“طب… ونورا؟ دي في الكيماوي…”
سارة ما اترددتش لحظة:
“أنا مش عايزاها تيجي. هتبوّظ الإجازة. يا يابني، سافر وخلاص.”
كنت واقفة متسمّرة، بطانية الكيماوي بتتزحلق من على كتفي. هي مش عايزاني عشان أنا عيانة.
وساعتها جوزي قال الجملة اللي كسرت حاجة جوايا:
“فاكره إني هقعد جمبك… لازم أسافر. امي حاجزة كل حاجة خلاص.”
وداني كانت بتصفر.
قلت:
“إنت… هتسيبني؟ وأنا في الكيماوي؟ في العيد؟”
ما بصّليش. كان متردد… بس مش كفاية إنه يفضل. لم هدومه، باسني على جبيني كأنه واجب، همس “آسف”… ومشي.
في العيد ده، كنت مكوّرة على الكنبة، دايخة، فاضية من جوايا، لوحدي. كل ضحكة كنت متخيلاهم بيضحكوها، كل فرحه… كان زي سكينة بتلف أكتر في قلبي.
وفجأة موبايلي انفجر رن.
صحاب. زملاء شغل. ناس ما كلمتهمش من سنين.
مكالمات ورسائل وفويس نوت:
“نورا… شوفتي الأخبار؟!”
إيديا كانت بتترعش وأنا بشغل التلفزيون.
فكي وقع من الصدمة.
جوزي وحماتي… عمرهم ما كانوا متوقعين اللي حصل
الشاشة كانت منورة بلون أحمر فاقع، وشريط الأخبار العاجلة بيجري تحت بسرعة رهيبة. المذيع صوته فيه نبرة فزع وهو بيتكلم عن "كارثة طبيعية غير مسبوقة" ضربت الجزيرة السياحية اللي هما فيها.
الجزيرة اللي كانت جنة على الأرض، واللي سارة حماتي اختارتها مخصوص عشان "مستواها يليق بيهم" وعشان بعيدة عن أي دوشة – وعني طبعاً – اتحولت في لحظات لجحيم.
إعصار استوائي مفاجئ، غير متوقع تماماً في الوقت ده من السنة، ضرب الجزيرة بكل قوته. مش بس كده، الإعصار اتسبب في فيضانات وسيول جارفة قطعت كل طرق المواصلات، ودمرت المطار الصغير اللي على الجزيرة، وقطعت الكهرباء والاتصالات وشبكات الإنترنت عن كل المنتجعات الفخمة هناك.
عيني كانت متسمرة على الشاشة. الصور اللي بتتعرض كانت مهزوزة، متصورة بموبايلات ناس محبوسين هناك. شفت مشاهد لناس بتجري في الطين، فنادق 7 نجوم واجهاتها الزجاجية متكسرة، نخل متقلع من جذوره، والمياه مغطية كل مظاهر الرفاهية اللي راحوا عشانها.
وفجأة، الكاميرا جابت لقطة جماعية لناس متكدسين في بهو فندق كبير بيحاولوا يحتموا فيه. قلبي وقف.
شفتهم.
رغم الزحمة، ورغم البهدلة، عرفتهم فوراً. جوزي، "أحمد"، اللي سابني وأنا في أضعف حالاتي عشان "يستجم"، كان قاعد على الأرض، قميصه الماركة اللي اشتراه بألوفات كان مقطوع من الكتف، وشعره اللي دايما متسرح بعناية كان مليان تراب وميه. كان شكله مكسور، تايه، وعينه بتلف في المكان بخوف حقيقي عمري ما شفته فيه قبل كده.
وجنبه، سارة هانم. حماتي اللي كانت شايفة إن وجودي في الرحلة "هيبوظ المنظر العام". كانت قاعدة على كرسي بلاستيك مكسور، الفستان الحريري اللي كانت ناوية تحتفل بيه بعيد ميلادها كان عبارة عن كتلة طين. مكياجها سايح على وشها بشكل مرعب، وكانت بتزعق وتشاور بإيديها لموظف استقبال مرعوب، واضح إنها بتأمره يجيب لها حاجة مش موجودة أصلاً.
الصوت في الفيديو كان مش واضح، بس كنت أقدر أقرأ حركة شفايفها وهي بتصرخ: "إنتوا مش عارفين أنا مين؟ أنا عايزة طيارة هليكوبتر حالاً! أنا مستحيل أقعد في القرف ده!"
المذيع كمل كلامه: "آلاف السياح محاصرون بلا ماء نظيف، بلا طعام كافٍ، وبلا أي وسيلة للخروج. فرق الإنقاذ تجد صعوبة بالغة في الوصول للجزيرة بسبب سوء الأحوال الجوية. الوضع كارثي وينذر بمجاعة وأمراض إذا استمر الحصار لأيام."
قفلت التلفزيون. الأوضة رجعت ضلمة وهادية، مفيش غير صوت أنفاسي المتهججة.
قعدت مكاني، مش قادرة أستوعب. حسيت بمشاعر متضاربة بتعصر قلبي. هل أنا شمتانة؟ لأ، الشماتة دي للضعفاء. لكن اللي حسيت بيه كان شعور غريب بالـ "عدالة". عدالة السماء اللي اتدخلت في اللحظة اللي حسيت فيها إن الأرض ضاقت بيا.
هما هربوا من "نكد" مرضي، من وشي الشاحب وريحة الأدوية، عشان يروحوا للجنة المزعومة. لكن الجنة دي لفظتهم. هما سابوني لوحدي أواجه الموت المحتمل، فربنا حطهم في مواجهة مباشرة مع الخوف والمجهول، بس الفرق إنهم كانوا مع بعض، ورغم كده، كانوا أضعف من أي وقت مضى.
الأيام اللي بعدها كانت أغرب أيام حياتي.
أنا، مريضة السرطان اللي المفروض الكل يشفق عليها، بقيت أنا اللي بتابع أخبار "المنكوبين". الموبايل مبطلش رن. قرايب أحمد اللي كانوا بيجاملوه على حسابي، دلوقتي بيتصلوا بيا يعيطوا ويسألوني لو عرفت أوصل له.
"يا نورا، يا حبيبتي، قلبنا معاكي، أكيد قلقانة على جوزك وحماتك."
كنت برد ببرود غريب: "إن شاء الله خير. ربنا ينجيهم."