جوزي وحماتي سابوني في العيد

لمحة نيوز

كنت بتابع الأخبار زي المدمنة. كل ساعة في تقرير جديد. الصور بتبقى أسوأ. فيديوهات مسربة ليهم وهما واقفين في طوابير طويلة عشان ياخدوا إزازة ميه واحدة. سارة هانم وهي بتتخانق مع سائحة تانية على رغيف عيش. أحمد وهو نايم على الأرض متغطي بفرش سفرة متسخ.

الصورة الذهنية اللي بنوها لنفسهم طول عمرهم، صورة العيلة الراقية، الغنية، اللي مبيحصلش ليها مشاكل الناس العادية، كانت بتنهار قدام العالم كله على الهواء مباشرة.

في اليوم الثالث من الحصار، وإعجازاً، موبايلي رن برقم دولي غريب.

رديت، وكان الصوت مقطع ومشوش، بس عرفته فوراً.

"نورا! نورا سامعاني؟ أنا أحمد!"

صوته كان مبحوح، مليان رعب وبكاء مكتوم.

"أيوه يا أحمد، سامعاك." رديت بهدوء مرعب، هدوء واحدة خدت جرعة كيماوي لسه مأثرة على أعصابها.

"إحنا بنموت هنا يا نورا! إحنا متبهدلين آخر بهدلة. أمي تعبانة جداً، ضغطها مش مظبوط ومفيش أدوية. الأكل خلص، والميه ملوثة. أنا مش مصدق اللي بيحصلنا!"

سكت لحظة، كنت متوقعة يسألني: "أنتي عاملة إيه؟ جلسة الكيماوي كانت إزاي؟". لكنه كالعادة، مبيشوفش غير نفسه.

كمل بصوت بيترجى: "نورا، أرجوكي، اتصرفي! كلمي السفارة، كلمي أي حد تعرفيه، قولي لهم إننا هنا. إحنا لازم نخرج النهاردة قبل بكرة!"

الكلمات وقفت في حلقي. هو بيكلمني أنا؟ أنا اللي رماني قبل السفر بيومين؟ أنا اللي قالي "مش هقعد جنبك"؟ هو بيطلب النجدة من الست اللي استكتر عليها الدعم النفسي؟

أخدت نفس عميق، حسيت بيه بيحرق صدري، وقلت له الجملة اللي كانت محبوسة جوايا:

"أكلم لك السفارة يا أحمد؟ مش دي الرحلة اللي مكنش ينفع أبوظها بوجودي؟ مش دي الإجازة اللي أمك قالت إني هعكنن عليها؟"

"نورا! ده وقته؟ بقولك بنموت!"

"وأنا كمان كنت بموت يا أحمد. كنت بموت كل يوم لوحدي في العيد وإنتوا هناك بتحتفلوا. فاكر لما قلت لي إنك لازم تسافر؟ أهو سافرت. أنتوا دلوقتي في المكان اللي اخترتوه. أنا آسفة، أنا مش هقدر أعملك حاجة. أنا يادوب قادرة أقوم أدخل الحمام. رصيدي من الطاقة خلصان على مقاومة السرطان، مفيش مكان فيه لمقاومة كوارثكم."

وقبل ما أسمع رده، قفلت السكة.

قفلت السكة في وش جوزي اللي بيستنجد بيا. حسيت بقسوة؟ يمكن. بس حسيت بقوة لأول مرة من شهور. حسيت إني استرديت كرامتي اللي داسوها بجزمهم الماركات قبل ما يسافروا.

بعد خمس أيام، فرق الإنقاذ الدولية قدرت توصل.

عملية الإجلاء كانت بتتنقل على التلفزيون. شفتهم وهما طالعين من طيارة الإغاثة العسكرية في مطار القاهرة. المنظر كان مثير للشفقة بجد.

سارة نزلت مسنودة على اتنين مسعفين، وشها شاحب، شعرها منكوش، ولابسة هدوم مش مقاسها واضح إن حد اتبرع لها بيها. عينيها كانت مكسورة، الكبرياء اللي كان فيها انطفا تماماً.

وأحمد نزل وراها، شايل شنطة بلاستيك سودة فيها الباقي من أغراضهم. دقنه طويلة، وموطي راسه في الأرض كأنه هربان من فضيحة.

مرحتش استقبلهم في المطار. ومرحتش بيت حماتي لما وصلوا.

تاني يوم، أحمد جالي البيت.

كنت قاعدة على نفس الكنبة، بس المرة دي كنت لابسة باروكة شكلها حلو، وحاطة روج خفيف. كنت مستنياه.

دخل الشقة، وريحة العفن والطين لسه ماسكة في جلده رغم إنه أكيد استحمى. وقف قدامي، مكنش قادر يرفع عينه في عيني.

"نورا... أنا..."

قاطعته بإشارة من إيدي.

"متتكلمش يا أحمد. أي كلام دلوقتي ملوش لازمة."

"أنا عارف إني غلطت، عارف إني كنت أناني، بس اللي شوفناه هناك..."

"اللي شوفتوه هناك كان درس. درس قاسي بس كنتم محتاجينه. إنتوا عشتوا أسبوع واحد من العجز اللي أنا عايشاه بقالي شهور. دُقتوا طعم إن العالم يديك ضهره."

بص لي، وعينيه دمعت: "أنا آسف بجد. أنا ندمان. سامحيني ونبدأ صفحة جديدة. أمي كمان اتغيرت، هي..."

ابتسمت ابتسامة باهتة. "مفيش صفحات جديدة يا أحمد. الكتاب خلص."

قلعت الدبلة من إيدي. كانت واسعة عليا أوي بعد ما خسيت، فطلعت بسهولة. حطيتها على الترابيزة قدامه.

"أنا مش هقدر أكمل معاك. مش عشان اللي عملته قبل السفر بس، لأ، عشان اللحظة اللي كلمتني فيها من هناك. حتى وإنت في قمة ضعفك، كنت أناني. كنت عايزني أنقذك وإنت عمرك ما فكرت تنقذني."

"نورا، متعمليش كده، إنتي عيانة ومحتاجاني!"

وقفت على حيلي، ورغم الدوخة، حسيت إني أطول منه.

"أنا عيانة آه، بس مش محتاجاك. أنا اكتشفت إني أقوى بكتير وأنا لوحدي. وجودك كان بيستنزفني أكتر من الكيماوي. إنتوا كنتوا الورم الحقيقي في حياتي، ودلوقتي لازم أستئصله عشان أخف."

أحمد خرج من حياتي في اليوم ده، مكسور ومهموم أكتر ميت مرة من يوم ما سابني وسافر.

سارة حماتي دخلت في اكتئاب حاد بعد الفضيحة والبهدلة اللي شافتها، ومبقتش تخرج من بيتها. الرحلة اللي كانت المفروض تكون تتويج لغرورها، كانت هي النهاية الحقيقية ليه.

وأنا.. أنا لسه بحارب. جلسات الكيماوي لسه صعبة، والأيام لسه تقيلة. بس الفرق إني دلوقتي بحارب وأنا نضيفة من جوا، مفيش خذلان بيتقل كتافي.

العيد اللي فات كنت لوحدي ومقهورة. العيد الجاي، لو ربنا أراد وكنت لسه عايشة، هكون لوحدي برضه، بس هكون حرة. وساعتها، دي هتكون أعظم رحلة رفاهية في حياتي.

تم نسخ الرابط