حفيدي
بعد موت ابني الوحيد حفيدي الصغير طلب يعيش معايا.
في المحكمة مراته رانيا قالت بثقة قدام القاضي
هو عايز يعيش معايا يا سيادة المستشار.
القاضي بص له وقال الكلام ده صح يا ابني
حفيدي رفع موبايله وقال ممكن أشغل تسجيل من امبارح الأول
صوت رانيا كان هادي ومظبوط قوي القلق اللي يبان طبطبة من بره وهو متحسب كلمة كلمة من جوه. كنت قاعدة على دكة الخشب ماسكة شنطتي بإيديا الاتنين وبحاول ما أبصش على صور العيلة اللي حطاها في ملف أصفر كأنها بتعرض براءة.
عدى تمن شهور على دفن أحمد. تمن شهور من بعد ما صواني العزا بطلت تيجي وكلام البقاء لله اختفى وكل واحد رجع لحياته. بس بيتنا في آخر الشارع لسه حاسس إنه ساكت زيادة عن اللزوم كأنه مستني أحمد يدخل من الباب.
ودلوقتي قاعدين في محكمة الأسرة ريحتها ورق ومحابر ومعقم مستنيين حد غريب يقرر حفيدي يوسف عنده 12 سنة ينام فين.
يوسف كان لابس بليزر كحلي مخليه أكبر من سنه. كتافه مشدودة وركبته كانت بتهز شوية وبعدين ثبتت. رانيا أصرت يبقى شيك قدام القاضي. نفس رانيا اللي ما كانتش تاخد بالها من قميصه المتكرمش ولا ورق المدرسة اللي يفضل أسبوع في الشنطة.
المستشار حسام راجل باين عليه ما بيحبش اللف والدوران. شعره داخل فيه الشيب ونظارته نازلة سنة على طرف مناخيره شكله شاف كل الأعذار قبل كده.
لما سأل يوسف السؤال القاعة سكتت لدرجة سمعت صوت نفس الحاجب وصوت قلم بيخبط في الدفتر ورايا.
الكلام ده حقيقي يا ابني
إنت عايز تعيش مع مامتك
محاميتي لمست إيدي لمسة خفيفة تفكرني أتنفس. كان معانا أوراق غيابات ملاحظات مدرسين مواعيد اتفوتت. بس ساعات كلمة أم بتغلب أي مستند.
رانيا كانت قاعدة ضهرها مستقيم دقنها مرفوعة عينيها بتلمع بدموع محسوبة. لابسة رمادي هاديستايل أنا متألمة بس قوية. إيدها على كتف يوسف كأنها ماسكة الرواية كلها بإيدها.
يوسف وقف.
في 12 سنة لسه بين طفل وراجل صغير. طويل سنة ولسه مش عارف يثبت على شكل واحد. صوته في البيت ساعات يتهز وهو متحمس لفيديو على يوتيوب أو نغمة جديدة بيتعلمها.
بس هنا صوته كان ثابت.
يا سيادة المستشار قال وهو بيبلع ريقه ممكن أوري حضرتك حاجة الأول
أول حاجة اتغيرت على وش رانيا ما كانتش حزن.
كانت لمعة خوف سريعة كأن السيناريو اتسحب من تحت إيديها فجأة.
اللحظة التي توقف فيها الزمن
القاضي هز رأسه بالموافقة ويوسف داس على زرار التشغيل في موبايله. القاعة كلها كانت كاتمة نفسها. في الأول كان فيه صوت خروشة ورق وبعدين ظهر صوت رانيا.. بس مكنش الصوت الهادي اللي كانت بتتكلم بيه قدام المستشار. كان صوت حاد ناشف خالي من أي رحمة.
التسجيل
اسمع يا يوسف.. اللعبة دي لازم تخلص بكره. قدام القاضي هتقول إنك عايز تعيش معايا فاهم مش عايزة أشوف وش جدتك ده تاني. الست دي عايزة تاخد ورث أبوك وتتحكم فينا وأنا مش هسمح لها. لو قلت غير كده والله يا يوسف لا هتشوف مدرسة ولا هتشوف صحابك وهتعيش معايا في البيت ده خدام زي ما أبوك كان عايش طول عمره بيسمع كلام أمه.
صوت يوسف في التسجيل كان بيترعش وهو بيقول بس أنا بحب تيتة يا ماما هي اللي بتهتم بيا..
قاطعته رانيا في التسجيل بصرخة مكتومة حبك ده ينفعك لما تلاقي نفسك في ملجأ لو هي ماتت! بكره تقول اللي قلتلك عليه وإلا الموبايل ده هيتكسر وأي حاجة فكرالك بأبوك هرميها في الشارع.
السقوط المدوي
يوسف قفل التسجيل. رانيا وشها قلب ألوان الدموع المحسوبة اللي كانت في عينيها نشفت فجأة وحل محلها نظرة ذهول ورعب. حاولت تتكلم فتحت بوقها وقفلت كذا مرة وبعدين قالت بصوت مهزوز
سيادة المستشار.. ده.. ده تركيب.. الولد بيكذب جدته هي اللي محفظاه يعمل كده!
المستشار حسام قلع نظارته وبص لها نظرة خلت ركبها تخبط في بعض. قال بصوت زي الرعد
اقعدي يا مدام رانيا.. ومسمعش صوتك لحد ما أخلص.
بص ليوسف بحنية غريبة مكنتش باينة عليه من أول الجلسة وسأله يا يوسف إنت ليه سجلت الكلام ده
يوسف رفع راسه وبص لي.. الدمعة اللي كان حابسها نزلت وقال
عشان تيتة دايما بتقولي إن بابا كان بيحب الحق وكان بيقولي