لما شوفت بنتي
اتسمرت مكاني على باب الكافيه لما شفت بنتي.. كانت حامل في الشهر التاسع، وشايلة صينية مليانة كوبايات قهوة وأطباق فطار كأن جسمها مش شايل كفاية أصلاً. شعرها الأصفر كان ملموم لورا بـ "توكة" فكة، وخصلات منه لازقة على قورتها العرقانة. كانت باينة "قليلة"
وضئيلة عن ما كنت فاكراها،
خاسة أوي رغم بطنها اللي كانت كبرت وشادة اليونيفورم البمبي الباهت اللي لابساه.
إيديها كانت بترتعش لدرجة إني خفت كل حاجة تقع منها.
لثانية، صدقت إني متهيألي أو مشبهة عليها. بنتي طول عمرها عزيزة نفس، وكتومة، وبتحاسب أوي في كل كلمة بتقولها.
كنا بنتكلم كل أسبوع، ودايماً كانت بتقولي "أنا زي الفل". حتى جوزها، إبراهيم،
كلمني من شهرين وقالي إنها مرتاحة في البيت ومش عايزة أي ضغط قبل الولادة.. وأنا صدقته.
وفجأة.. إيمان رفعت عينها وشافتني.
الصينية اتهزت في إيدها،
ومعلقة وقعت ورنت على الأرض. وشها اتقلب أبيض زي الورقة، وبعدين ملامحها اتخطفت. جريت من جنب زبون كان بيبص لها باستغراب، وحطت الصينية على الرخامة بخبطة عالية، وجت عليا وهي بتترنح.
"ماما،"
همست بالكلمة وهي بتتقطع في بوقها.
مسكتها من دراعها:
"إيمان يا حبيبتي، أنتِ بتعملي إيه هنا؟ إزاي واقفة على رجلك؟ وليه بتشتغلي أصلاً؟"
شفايفها كانت بترتعش، وعينيها اتملت دموع في ثانية. بصت ناحية المطبخ، وبعدين على شباك المحل، وبعدين على الجراج اللي بره، كأنها خايفة إن فيه حد بيراقبها.
راحت مايلة عليا أوي لدرجة إني حسيت بنَفَسها على خدي، وقالت بصوت يادوب مسموع:
"ماما.. جوزي.. بيأذيني."
كل حاجة جوايا وقفت.
فضلت باصة لها، مستنياها ترجع في كلامها، تقول إنها قصدها "زعلها بكلامه"،
أو إنهم اتخانقوا خناقة عادية، أو إن الجواز صعب وهي أعصابها تعبانة عشان الحمل.
بس عينيها قالت لي الحقيقة المرة قبل ما تنطق بحرف تاني. كان فيه أثر زرقان بيبهت عند معصم إيدها، لونه أصفر تحت نور المحل. وخيال لعلامة تانية فوق رقبتها، مدارياها بالياقة بالعافية.
"من إمتى؟" سألتها وصوتي بيترعش.
فتحت بوقها عشان ترد، بس قبل ما تنطق، الجرس اللي فوق باب المحل رن.
لفيت..
لقيت إبراهيم داخل.
والنظرة اللي كانت في عينه قالت
لي إنه عارف بالظبط هي قالت لي إيه..
إبراهيم دخل الكافيه بخطوات واثقة، وشه كان هادي هدوء مرعب، الهدوء اللي بيسبق العاصفة. رسم ابتسامة صفرا أول ما شافني، وقرب وهو بيفتح دراعاته كأنه "الزوج المثالي" اللي اتفاجئ بحماته:
— "حماتي العزيزة! يا أهلاً يا أهلاً.. إيه النور ده؟ إيمان مقالتليش إنك جاية القاهرة النهاردة، وإلا كنت جيت أخدتك من المحطة بنفسي."
إيمان اتنفضت جنبي، سحبت إيدها من إيدي بسرعة ووقفت مصلوبة، عينيها كانت في الأرض وجسمها كله بيترعش. إبراهيم قرب منها، حط إيده على كتفها وضغط "عصر" عضمه بكف إيده، وقال بنبرة فيها تهديد مستتر:
— "مالك يا حبيبتي؟ وشك أصفر كده ليه؟ أكيد ضغط الحمل.. مش قلتلك ارتاحي وماتجيش "تساعدي" صاحبتك في الكافيه النهاردة؟ إنتي قلبك بيحمل عليكي زيادة."
بصيت لإيده وهي غارزة في كتف بنتي، وبصيت لوشه اللي كله كدب. "تساعد صاحبتها"؟ واليونيفورم المبهدل ده إيه؟ والوقفة دي في الشهر التاسع إيه؟
قلت له بصوت حاولت أخليه ثابت رغم الغليان اللي جوايا:
— "أهلاً يا إبراهيم.. لا معلش، أنا اللي جيت فجأة قلت أطمن على بنتي بما إنها مابتنزلش من البيت "زي ما قلتلي" في التليفون."
إبراهيم ضحك ضحكة باردة:
— "أصل إيمان "نشيطة" زيادة عن اللزوم يا حماتي. يلا يا إيمان، اطلعي غيري لبسك عشان تروحي مع ماما، وأنا هحاسب "صاحبتك" على اليوم ده."
إيمان مشيت زي الآلة، دخلت الموضة وهي بتبص لي بصه أخيرة.. بصة استغاثة. أول ما غابت عن عينا، إبراهيم لف ليا، ملامحه اتغيرت 180 درجة، والابتسامة اختفت:
— "بقولك إيه يا طنط.. إيمان تعبانة نفسياً من الحمل، ومابتجمعش هي بتقول إيه. أي كلمة سمعتيها منها خديها على قد عقلها.. والبيوت أسرار، ياريت ماتدخليش بيني وبين مراتي."