مرات ابني
اللحظة اللي قلت فيها لمرات ابني إنها مش هتورث شقتي، شدت السلسلة من رقبتي وضربتني قلمين ورمت هدومي في المطرة.. وابني واقف ساكت، ميعرفوش إني خلاص شطبت أساميهم من حياتي للأبد.
أنا اسمي "الحاجة فوزية"، وعندي 68 سنة. لحد الليلة اللي مرات ابني مدت إيدها عليا وقطعت السلسلة من رقبتي، كنت لسه فاكرة إن صلة الدم بتمنع الأهل إنهم يبقوا أغراب وأعداء.
أنا أرملة، وعندي بيت دورين في "المعادي".. بيت اشتريته أنا والمرحوم جوزي "حسين" بطلوع الروح وشقا السنين لما كانت الفوايد عالية وكنا لسه شباب وبنحت حجر. كل ركن في البيت ده فيه ذكرى؛ هنا ابني "هاني" مشي أول خطواته على سجادة الصالون، وهنا عزومات العيد اللي كان ريحة خبيزها مسمعة في الشارع وضحكنا مبيخلصش. بعد ما "حسين" مات، البيت ده بقى الحاجة الوحيدة اللي ملكي بجد في الدنيا دي.
"هاني" كان دايماً يقول لي إنه فاهم ده ومقدره.. لحد ما اتجوز "نيفين".
"نيفين" من النوع اللي يبتسم بس عينيه متبتسمش. في الأول كانت بتقول لي "يا ماما"، وتجيب لي هدايا غالية مكنتش بحبها، وتفضل تمدح في البيت كل ما تيجي: "يا طنط البيت ده دلوقتي يسوى ثروة"، وتمشي صوابعها على العفش كأنها بتقيسه بمتر! وهاني يضحك وهو مكسوف بس عمره ما وقفها عند حدها.
بعد 6 شهور جواز، بدأت التلميحات. "إحنا بس بنطمن يا ماما، إنتي عملتي وصية؟".. وبعدين: "إحنا قلقانين عليكي وانتي قاعدة لوحدك كدة". وشوية ولقتني جايبة لي بروشورات لدار مسنين ومجمعات سكنية لكبار السن وأنا أصلاً مطلبتش أشوف حاجة! وهاني، ابني اللي كان بيعيط وهو صغير لما ركبته تتخدش، بقى يقعد جنبها ويقول: "يا أمي إحنا بس بنخطط للمستقبل".
"بنخطط للمستقبل".. دي كانت الجملة اللي بيداروا وراها كل إهانة.
لحد ما عرفت السبب الحقيقي.
في يوم، هاني نسي اللاب توب بتاعه مفتوح على ترابيزة المطبخ وخرج يتكلم في التليفون. أنا مش من النوع اللي بفتش، بس كنت رايحة أحط القهوة وشفت عنوان بيتي في موضوع إيميل مفتوح. إيدي اترعشت قبل ما ألمس الشاشة. "نيفين" كانت بتبعت لمحامي عقارات عن "إزاي ننقل ملكية البيت قبل ما حالتها الصحية تتدهور ونواجه مشاكل". وكان فيه ملاحظات عن إنهم ينقلوني شقة صغيرة ويبيعوا البيت بسرعة عشان "يسددوا ديونهم". ديونهم هما! فيزا كارد، وقسط عربية، وجاليري فاشل نيفين فتحته وخسر، وكانت مدارية كل ده ورا المظاهر الكدابة والشنط الماركات.
مقلتش ولا كلمة يومها.
تاني يوم الصبح كنت عند المحامي بتاعي.
على آخر الأسبوع، كنت غيرت الوصية كلها. البيت، وتحويشة العمر، وكل اللي بنيته أنا وحسين، بقى في "صندوق ائتماني" (أمانة). هاني ونيفين مش هياخدوا مليم، ولا معلقة، ولا حتى مفتاح البيت اللي كانوا بيعدوه في أحلامهم. ومقولتش لحد.
وقعدت استنيت.
المواجهة حصلت بعدها بتلات أيام. نيفين جت من غير ميعاد ولابسة طقم شيك، وهاني وراها بظهره المحني ونظرته اللي كلها ذنب وبقيت أكرهها. مقعدتش، وقفت في نص الصالة وقالت لي: "إحنا لازم نكون صرحا يا ماما.. أنانية منك إنك تتمسكي بالبيت ده وهاني وراه عيلة ومسؤوليات محتاجة مصاريف".
ضحكت ضحكة واحدة، لأن قمة القسوة في كلامها كانت تخلي الواحد يضحك من الصدمة.
وقلت لها بكل برود: "إنتي مش هتاخدي مفتاح واحد من البيت ده".
وش "نيفين" اتغير في ثانية، كأن القناع وقع. هجمت عليا قبل ما ألحق أبعد، ومسكت السلسلة الدهب اللي في رقبتي - السلسلة اللي "حسين" جابها لي في عيد جوازنا التلاتين - وشدتها بكل قوتها لدرجة إن القفل اتكسر والمعدن غرز في جلدي.
صرخت.. قامت ضرباني قلم، وبعدين التاني.
وفي الوقت اللي كانت الدنيا فيه بتمطر بره، جرت على الكنبة اللي عليها هدومي، وفتحت الباب ورمتها في الشارع في الضلمة، وهاني واقف "صنم" بيبص في الأرض ومراته بتهد اللي فاضل من كرامتي.
نيفين لفت وبصت لي وهي بتنهج وقالت: "خلينا بقى نشوف هتعيشي إزاي من غيرنا".
وقفت وسط الصالة، ورقبتي بتحرقني من أثر السلسلة اللي اتنترت، ووشي واكلني من كفوف "نيفين". بصيت لهاني، ابني اللي شلته تسع شهور في بطني وسهرت على راحته سنين، كان واقف باصص في الأرض، خايف يرفع عينه في عيني، خايف من مراته اللي "لعبت بعقله" ونسيته إن الجنة تحت رجليّ.
نيفين زعقت بصوت يشبه فحيح التعبان: "يلا يا هاني، ارمي لها باقي الحاجة بره، خلينا نشوف البيت اللي هي متبتة فيه ده هينفعها بإيه وهي لوحدها، إحنا ماشيين، والبيت ده إحنا اللي هنبيعه بمعرفتنا، والمحامي بتاعنا هيعرف يتصرف في (العته) اللي إنتي بتقوليه ده!"
هاني مشي وراها زي المنوم مغناطيسياً، وقفلوا الباب وراهم برزعة هزت حيطان البيت. البيت اللي كان دايماً مليان دفا، فجأة بقى برد.. برد قارس.
نزلت على ركبي بالعافية، لميت السلسلة المقطوعة من على الأرض، وضمتها في إيدي لدرجة إن القفل جرح كفي. قمت، غسلت وشي بمية ساقعة عشان أفوق من الإهانة، ولبست تقيل وفتحت الباب. المطر كان بيغسل الشوارع، وهدومي كانت مرمية في الطين. لميتها حتة حتة وأنا مابعيطش.. الدموع دي للضعاف، وأنا في الليلة دي ولدت "فوزية" تانية خالص.