صاحب المطعم والبنت الصغيره
صاحب مطاعم نفوذه ملوش حدود، كان قاعد بكل هدوء في نص عزومة خاصة، وواثق في كل اللي حواليه.. لحد ما دخلت بنت صغيرة بتترعش من المطر، وجريت عليه وهي بتترجاه ما يدوقش ولا قطمة من أكله.
أول ما رفع الشوكة بتاعته، الجو في القاعة اتغير تماماً.
مبقاش هدوء طبيعي، بقى هدوء يخنق، وكأن الهوا في المكان فجأة تقل ومبقاش فيه نفس. الكلام انقطع في نص الجمل، والأيدي اتسمرت في مكانها وهي شايلة الكاسات. حتى المزيكا الهادية اللي شغالة في الخلفية، مابقتش ماشية مع توتر اللحظة.
وفي قلب كل ده، كان قاعد "فيكتور هيل"؛ الراجل اللي هيبته لوحدها كفيلة تخلي أي حد يقف انتباه. في عالمه، مفيش حد بيقطعه، ولا حد بيجرؤ يراجعه، وقليل أوي اللي يفكروا يرفعوا صوتهم عليه.
السيطرة كانت دايمًا هي أساس حياته.
والليلة دي كان المفروض تكون ليلة بسيطة. عشا هادي.. قعدة خاصة.. لحظة من اللحظات القليلة اللي مش محتاج فيها ياخد قرار أو يركز في حاجة.
"فيكتور" بص للطبق اللي قدامه. كان صنف بيحبه وبيطلبه مخصوص في الليالي اللي بيحب يفتكر فيها بداياته.. أكل بيتي، ريحته قوية، وبتحسسه إنه لسه متمسك بجذوره.
لثانية واحدة، سمح لنفسه إنه يسترخي.
وفجأة، فيه صوت شق السكوت ده كله:
"ما تاكلش ده!"
صوت مكنش حد يتوقعه أبداً.
كل الرؤوس لفت ناحية المدخل.
بنت صغيرة كانت واقفة هناك، عند باب القاعة بالظبط.
عمرها ميزيدش عن 9 سنين. هدومها كانت غرقانة من المطر ولازقة على جسمها الضعيف. خصلات شعرها مبلولة ونازلة على وشها، وخدودها كانت حمرا من كتر البرد.
بس مش شكلها هو اللي خلّى الأوضة تتجمد..
كانت "اللهفة" والرعب اللي في عينيها.
خطت خطوة لقدام بحذر، وكأنها كانت هتقع وهي بتتحرك.
قالت بصوت بيترعش، بس واصل لكل ركن في القاعة: "أرجوك.. ما تاكلوش."
السكوت اللي حل في القاعة كان أتقل من جبال الحجر.. "منصور الهلباوي" فضل ماسك الشوكة في الهوا، عينه مركبة على الطفلة اللي واقفة بتترعش، ملامحه متجمدتش من الخوف، لكن من الذهول. مفيش حد في تاريخه كله تجرأ يقطع خلوته، ولا حد قدر يكسر هيبة "الشركة" ورجالة الأمن اللي محوطين القصر زي السور العالي.
الحرس بدأوا يتحركوا بغشم، كبير الحرس "سلطان" قرب من البنت وهو بيمد إيده عشان يسحبها بره القاعة وهو بيبرطم: "إنتي دخلتي هنا إزاي يا بت؟ اطلعي بره بدل ما أحبسك!"
البنت صرخت وهي بتستخبي ورا فازة ورد ضخمة: "لا! والله العظيم الأكل ده فيه سم! لو أكل منه هيموت!"
هنا منصور رفع إيده إشارة لـ "سلطان" إنه يتوقف. الإشارة دي خلت الحرس يرجعوا لورا وكأنهم آلات برمجت على طاعته. حط الشوكة ببطء شديد على حرف الطبق، وبص للطفلة بعيون صقر وقال بصوت رخيم يهز الحيطان:
• "تعالي يا صغيرة.. قربي هنا."
البنت مشيت بخطوات مهزوزة، المية كانت بتنقط من لبسها المقطع على السجاد الحرير الغالي. وقفت قدامه وهي بتبص للطبق برعب حقيقي، دموعها كانت نازلة بتمسح الطين اللي على وشها.
• "اسمك إيه؟" سألها منصور وهو بيميل بجسمه لقدام.
• "اسمي ملك.." قالتها وهي بتشهق.
• "ومين اللي قالك إن الأكل فيه سم يا ملك؟ أنتي عارفة إنتي واقفة في بيت مين وبتقولي إيه؟"
ملك شاورت بإيدها الصغيرة اللي بتترعش على واحد من الخدم اللي واقفين ورا منصور بالظبط، واحد من اللي بيشيلوا الأطباق: "أنا شوفته.. شوفته وهو بيحط بودرة بيضا في الطبق ده بالذات قبل ما يدخل القاعة.. أنا كنت مستخبية في المطبخ عشان كنت جعانة وعاوزة حتة عيش، وشوفته وهو بيضحك ضحكة وحشة ويقول: 'خلاص يا كبير، نهايتك الليلة'."
الفصل الثالث: لعبة الأقنعة
القاعة كلها اتكهربت. الخادم اللي ملك شاورت عليه، واسمه "مرزوق"، وشه بقى لونه أزرق، وبدأ يرجع لورا وهو بيترعش: "كدابة! البت دي شحاتة وحرامية، أكيد بعتينها عشان تخرب العزومة! يا باشا أنا بقالي 10 سنين بخدمك!"
منصور الهلباوي مرفعش عينه عن مرزوق، لكن الهدوء اللي في وشه كان يخوف أكتر من الزعيق. بص للطبق، وبعدين بص لمرزوق وقال ببرود قاتل: