بنت صغيرة

لمحة نيوز

ن بين ضلوعه: «أنتي.. اسمك إيه يا حبيبتي؟»
— الطفلة بصوت واهن وأسنانها تصطدم ببعضها من البرد: «اسمي نور.. ماما سارة قالت لي لما أموت والفلوس تخلص، خدي علبة التلاجة دي وروحي للعنوان المكتوب في ضهر الصورة.. وقالت لي أقولك إنها مخانتكش، وإن جدو عثمان هو اللي هددها يقتلك ويدمر شركاتك لو ما اختفتش من الدنيا.. ماما ماتت من أسبوع يا عمو.. ومبقاش معايا غير الاتنين جنيه دول والبسكوت.»
وقع الخبر على رأس فاروق الشربيني كزلزال مدمر اقتلع أركان حياته. المليارات، الأبراج، صفقات الاستحواذ، والخمسمائة موظف الذين كان ينوي رفدهم قبل دقائق.. كل شيء تفتت وتحول إلى رماد بلا قيمة أمام حقيقة أن المرأة الوحيدة التي أحبها ماتت مقهورة وفي فقر شديد، فقط لتحميه من قسوة عائلته، وأن ابنته البكر كانت تأكل البسكوت المتكسر في الشوارع بينما هو يملك نصف أموال البلد.

وقف فاروق بكامل طوله الفارع، وتغيرت ملامحه لبرود مرعب خاف منه "سالم" رئيس حرسه شخصياً. نزل على ركبتيه فوق الباركيه النظيف، وجذب نور الصغيرة ليدفنها في حضنه بكل قوته، ودموعه انهمرت بغزارة لتغسل التراب والمطر عن معطفها البمبي القديم.
— فاروق بنبرة زلزلت المطعم: «سالم!!»
— سالم انحنى فوراً: «تحت أمرك يا فاروق بيه.»
— «تطلب الإسعاف الخاص وفريق طبي كامل ييجي على القصر في جاردن سيتي حالا لفحص بنتي نور. وتطلب لي المحامي الإقليمي يوقف كل قرارات الرفد والهيكلة في الشركات الصبح.. الموظفين دول عيالهم مش هيجوعوا بسببي تاني.»
التفت للمدير المرعوب الذي كان يقف بعيداً:
— فاروق بصوت حاد كالسيف: «المطعم ده يقفل من اللحظة دي.. وأي فرع يحمل اسم الشربيني في مصر كلها، هيخصص نصف أرباحه اليومية لإطعام أطفال الشوارع والجمعيات الخيرية.. عساكم تفهموا إن الفلوس مابتصنعش أسياد.»
شال فاروق نور بين ذراعيه برفق شديد كأنها قطعة أماس نادرة، وخرج بها من المطعم تحت المطر، والكل كان يتفرج بذهول وبكاء من هذا التحول المرعب في حياة "الحوت".

في تمام الساعة التاسعة مساءً، كان قصر عائلة الشربيني العتيق في جاردن سيتي يشتعل بالغضب. فاروق كان يجلس في الصالون الكبير، ونور كانت نائمة في الجناح العلوي تحت رعاية ثلاث ممرضات وأفضل الأطباء بعد أن تم تدفئتها وتغيير ملابسها بأخرى من الحرير الفاخر.
انفتح الباب ودخل **"عثمان الشربيني"**، الأب الطاغية الذي بنى ثروة العائلة بالدم والقسوة، وكان يرتدي حلته الفخمة ويمسك بعصاه المذهبة.
— عثمان بغضب واستعلاء: «إيه الجنان اللي عملته في السوق النهارده يا فاروق؟ لغيت الصفقات، ووقفت رفد الموظفين، وقفت أرباح المطاعم عشان خاطر حتة بنت شحاتة دخلت عندك؟ إنت نسيت إحنا مين؟ إحنا عيلة الشربيني اللي السوق كله بيسجد تحت رجليهم!»
فاروق وقف ببطء، ومشى نحو أبيه حتى أصبحت عيناه الزرقاوان الحادتان في عينيه مباشرة:
— فاروق بنبرة هادئة ومخيفة كالقبور: «البنت الشحاتة دي تبقى (نور فاروق الشربيني).. بنتي ووريثتي الشرعية الوحيدة يا عثمان بيه. الست اللي إنت هددتها بالقتل وزورت شيك باسمها من سبع سنين عشان تبعدها عني، ماتت من أسبوع في حارة ضلمة بسبب قسوتك وطمعك.. إنت مش أبويا.. إنت وحش نرجسي دمرت حياتي وحياة الست اللي حبتني.»
أخرج فاروق حافظة مستندات رسمية وحطها على الطاولة بعنف:
— فاروق بثبات وجبروت: «الورق ده هو صيغة التنفيذ القضائية بعزلك من مجلس إدارة مجموعة الشربيني بالكامل، وسحب كل التوكيلات المالية الحاكمة اللي كنت بتتحكم فيها باسمي. أنا بملك ٧٠٪ من أسهم المجموعة بنص عقود التأسيس القديمة بتاعة جدي.. ومن بكرة الصبح، حساباتك البنكية الشخصية كلها هيتحظر عليها بسبب قضايا تزوير واختلاس مالي أنا رفعتها ضدك من ساعتين.»

عثمان شحب وجهه تماماً، وسقطت العصا المذهبة من يده لتصطدم بالرخام، وتراجع للخلف وهو يرتجف بتلعثم ورعب: «فاروق.. إنت بتطرد أبوك؟ بتسحب الثروة مني عشان خاطر عيال وغيبات؟ أنا اللي عملتك! أنا اللي خليت اسمك يهز جبال!»
— فاروق ببرود قاتل: «الاسم اللي اتبنى بالظلم والغدر، هيهد بقوة الحق والكرامة يا عثمان. قدامك بالظبط لحد الصبح.. تلم حاجتك وتطلع برة القصر ده. هتروح تقعد في الشقة القديمة بتاعة العيلة في السيدة زينب.. الشقة اللي إنت بدأت منها ونسيت أصلك وناسك فيها. هتعيش هناك على المعاش البسيط اللي البنك هيصرفهولك.. وتشوف مين من حيتان السوق هيسأل عنك وأنت معندكش مليم.»
انفتح باب القصر ودخل رجال الأمن الخاص وفهد، وسحبوا عثمان الشربيني برة القصر وهو بيبكي بانهيار ويصرخ بفضيحة هزت مجتمع المال والأعمال بالكامل، لتنتهي إمبراطورية طغيانه للأبد.

مرت أسابيع قليلة على تلك الليلة التاريخية الموعودة في ماي ٢٠٢٦..
مجموعة شركات الشربيني للمقاولات والاستثمار تغير اسمها بالكامل وحل مكانه اسم جديد بره على البرج الإداري الضخم: **(مجموعة نور وسارة الشربيني للتنمية الدولية)**. الشركات رجعت تشتغل بالحق، والمرتبات تضاعفت للموظفين الغلابة، والقصر العتيق انفتحت شبابيكه لتدخل شمس مايو الدافية وتملأ الحديقة الكبيرة بزهور الياسمين والأوركيد التي كانت سارة بتحبها.
نور الصغيرة صحت وبقت زي الفل، وشها رجع له اللون الوردي وصحتها بقت بمبي وأقوى من الأول بمليون مرة، ولابسة فساتين شيك جداً وبتتكلم لغات بطلاقة، وبقت تلعب في الجنينة وصوت ضحكها بيملأ القصر ليل نهار.
كنتُ قاعد في التراس الكبير ببص عليها وهي بتجري بالكلب الصغير بتاعها وتضحك، وحطيت علبة الثلاجة البلاستيكية القديمة والاتنين جنيه المقطعين على مكتبي كأغلى وأثمن أحراز بملكها في حياتي كلها.
قربت مني نور، وقعدت على رجلي وحضنتني من رقتي بعيونها الزرقاء الصافية:
— نور بابتسامة نقية: «بابا.. أنا بحبك أوي. المكان هنا دافي ومبقاش فيه برد تاني.»
— فاروق دَفن وجهه في شعرها بحنية: «وأنا بحبك يا قلب بابا.. لولا دخلتك عليا بالعلبة دي في المطعم، كنت هفضل عايش ميت في وسط المليارات والكدب. إنتي السند والنور اللي هعيش عشانه وأكبره بالحق والرحمة طول عمري.»
وعرف فاروق الشربيني إن الثراء الحقيقي مش في كثرة الأملاك والفلوس اللي في البنوك، الثراء هو إنك تصون العهد وتحمي الضعيف وتمشي بالحق وجبر الخواطر في عز العاصفة. وسيبنا عثمان وعالمه الزايف يشبعوا بكسرتهم وفقرهم، وعشنا إحنا فوق السحاب بالصدق والنور والكرامة العظيمة اللي مابتتشرش بكل كنوز الدنيا.
**تمت.**
 

تم نسخ الرابط