اتبنيت ابني

لمحة نيوز

اتبنّيت ابني وهو عنده تلات سنين وربّيته لوحدي… لكن يوم فرحه، سابوني واقفة برّه عشان “لبسي مينفعش مع شكل الناس.”
وفي نفس الليلة… شلت كل حاجة كانت مخلياله حياته ماشية من غير ما يعرف.

وصلت فرح ابني وأنا لابسة الفستان الكحلي اللي كنت بحوش تمنه بقالى سنتين، والبنت اللي واقفة على البوابة بصّت في التابلت وقالتلي إن اسمي مش موجود في كشف المعازيم.

في الأول افتكرت إنه أكيد غلط.

الفيلا الفخمة في الساحل كانت متغطية ورد أبيض، وصوت الكمان الهادي مالي المكان، والستات لابسين فساتين ماركات وبيتصوروا جنب نافورة حجر كأنهم في إعلان.

كنت شايلة شنطة صغيرة، وجزمة مريحة، وظرف فيه جواب كتبته لابني بالليل…
أصل الأم مهما حصل، دايمًا بتصدق إن لسه فيه كلام حلو ينفع يتقال لابنها يوم فرحه.

قلت للبنت بهدوء:
— “ممكن تبصي تاني؟ أنا أم العريس.”

بصّت مرة كمان…
وبعدين نزلت عينها بأسف وقالت:
— “آسفة يا فندم… حضرتك مش مسموحلك بالدخول.”

الكلمة دي خبطتني أكتر مما توقعت.

“مش مسموح.”

كأني واحدة غريبة بتحاول تدخل مكان مالهاش حق فيه.

وفجأة شوفته.

“كريم” كان واقف جنب الجنينة ببدلة سودة شيك، وواقف يبتسم للصور كأن حياته كاملة.

جريت ناحيته قبل ما حد يوقفني.

أول ما شافني…
وشه ما نورش.

ما استغربش حتى.

بالعكس… اتضايق.

قال وهو بيضغط على سنانه:
— “إنتِ جاية هنا تعملي إيه؟”

قلتله:
— “جيت فرحك يا ابني… قالولي اسمي مش موجود.”

لف عينه بضيق، كأني فضيحة دخلت وسط صوره المثالية.

وقال:
— “هو إنتِ بجد افتكرتي إنك معزومة؟”

في اللحظة دي… حسيت الهوا اتسحب من صدري.

ومن وراه ظهرت “ياسمين” بفستانها الأبيض، بتلمع كأنها معمولة مخصوص للتصوير.

وكانت مبتسمة الابتسامة الصغيرة اللي الستات بتستخدمها لما يحبوا يهينوا حد من غير ما يوسخوا إيديهم.

قالت:
— “كريم يا حبيبي، بلاش نطول الموضوع… التصوير هيبدأ.”

بصّيت للراجل اللي أنا تبنيته وهو عنده ٣ سنين.

الطفل اللي لقيته بيعيط في دار رعاية في القاهرة.

الولد الصغير اللي اتعلق في هدومي أول يوم وسألني:
— “إنتِ هتسيبيني إنتِ كمان؟”

اديته اسمي.

وبيتي.

وعمري كله.

كنت بشتغل موظفة استقبال الصبح، وبفصل هدوم بالليل عشان يدخل مدارس كويسة.

بعت دهب أمي لما احتاج عملية.

وقعدت سنين ما اشتريش لنفسي حتى جزمة جديدة… عشان أجيبله لابتوب، ودروس إنجليزي، ورحلات مدرسة، وكورسات.

بصيتله وقلت بصوت مكسور:
— “يا كريم… أنا أمك.”

بصلي ببرود وقال:
— “أمي الحقيقية كانت هتحترم حياتي. ياسمين عندها حق… إنتِ دايمًا بتحشري نفسك. دايمًا بتخلّي الناس تشفق عليكي. ودايمًا بتحوّلي كل حاجة حواليكي.”

ياسمين تنهدت كأنها تعبت من الصبر عليا وقالت:
— “يا طنط منى، الموضوع مش شخصي… إحنا بس كنا عايزين فرح شيك، بناس مناسبة.”

“ناس مناسبة.”

أنا… الست اللي شالت كريم من الضياع وربّته… بقيت “مش مناسبة” في فرحه.

افتكرت أول مرة ياسمين أهانتني في مطبخي.

داقت الأكل اللي عاملاه، وكشّرت وقالت:
— “مش فاهمة كريم كبر إزاي على أكل شبه أكل المدارس الحكومية كده.”

استنيت ابني يرد.

لكنه كمّل أكل عادي.

ومن بعدها بدأت التعليقات على لبسي، وسني، وطريقتي، وبيتي الصغير، وعربيتي القديمة، وحتى الكوبونات اللي كنت بستخدمها.

كانت تقول له:
— “مامتك لازقة فيك زيادة. الست اللي في سنها المفروض يبقى عندها حياتها.”

وهو… كان بيهز راسه بالموافقة.

ولما اتخطبوا، كنت آخر واحدة تعرف.

روحت عشا فاكرة إننا بنحتفل بعيد ميلاده… لقيتها رافعة دبلة ألماس وسط أهلها والكل بيزعق:
— “مفاجأة!”

ابتسمت ساعتها أنا كمان.

لكن جوايا… فهمت.

هما بدأوا يمسحوني من الصورة واحدة واحدة.

بعدها بأسابيع قالي:
— “الفرح هيبقى صغير يا ماما… للعيلة القريبة بس.”

وكنت فاكرة إن الأم تعتبر من العيلة القريبة.

لكن وأنا واقفة قدام الفيلا يومها… فهمت الحقيقة.

بالنسبة لكريم، أنا كنت مهمة طول ما بدفع…
طول ما بحل المشاكل…
طول ما بسكت…
وطول ما بخليه يمثل إنه بنى حياته لوحده.

كان ممكن أعيط.

كان ممكن أترجاه.

أفكره بكل ليلة سخونية، وكل قسط مدرسة، وكل مرة فضلت جعانة عشان هو مايحسش إنه ناقصه حاجة.

لكن فجأة…
كل حاجة جوايا هديت.

هدوء مخيف.

وبعدين ابتسمت.

قلت:
— “فهمت… فهمت كويس أوي.”

ياسمين بصتلي باستغراب.

وكريم قال بضيق:
— “ما تعمليش منظر يا ماما.”

قلتله بهدوء:
— “مش هعمل أي منظر. ربنا يتمملك على خير.”

ولفيت ومشيت ناحية البوابة.

ولا حد جري ورايا.

ولا حد وقفني.

ولا حد قال:
“استنوا… دي أم العريس.”

أول ما ركبت العربية اللي مستنياني برّه، طلعت موبايلي واتصلت بالأستاذ “سامح”، المحامي بتاعي من أكتر من عشرين سنة.

رد وقال:
— “مدام منى؟ خير؟”

بصيت من الشباك على المكان اللي ابني بيتجوز فيه من غيري.

وقلت:
— “لا… بس الصورة وضحت دلوقتي.”

سكت شوية وقال:
— “إيه اللي حصل؟”

قلت:
— “كريم ورّاني قيمتي عنده… نفّذ كل اللي اتفقنا عليه.”

فضل ساكت كام ثانية.

وبعدين قال:
— “متأكدة؟ لو بدأنا… مفيش رجوع.”

بصيت على الجواب اللي في حضني.

كان مليان حب، وذكريات، ودعوات، وكلام عمره ما هيقراه.

تم نسخ الرابط