اتبنيت ابني
وقلت:
— “متأكدة. طالما أنا مش أمه قدام الناس… يبقى مش هفضل شبكة الأمان السرية في حياته.”
سامح خد نفس طويل وقال:
— “تمام… هبدأ الليلة.”
سندت راسي على الكرسي، وبصيت على نور الفرح من بعيد.
كريم ماكنش يعرف إن الشقة اللي عايش فيها لسه باسمي من خلال صندوق استثمار أنا اللي متحكمة فيه.
ماكنش يعرف إن قروض شركته مضمونة بأملاك باسمي.
ماكنش يعرف إن “نجاحه” اللي بيتباهى بيه… كان متبني على تضحيات الست اللي سابها واقفة برّه زي الغريبة.
وقبل ما يرفع كاس الشمبانيا في الفرح…
أول حساب بنكي كان هيتجمد.
وقبل نص الليل…
عقد شقته كان هيدخل مراجعة.
ومع أول صباح…
الحياة اللي بناها على سكوتي هتبدأ تقع حتة حتة.
عشان نسي أهم حاجة:
الأم ممكن تسامح أي حاجة…
بس مش لازم تفضل تدفع تمن إهانتها.
في الساعة العاشرة والنصف مساءً، وبينما كانت أنوار الفيلا في الساحل تتلألأ، وصوت الضحكات يعلو مع كل كنزة يرفعها كريم وياسمين وسط الطبقة المخملية، كانت سيارة الأجرة تنقلني في طريق العودة إلى القاهرة. كنتُ أستمع إلى صوت المطر الخفيف وهو يضرب الزجاج، وبداخلي هدوء غريب، هدوء يشبه انقطاع التيار الكهربائي فجأة بعد عاصفة طويلة.
لم تكن شبكة الأمان التي تركتها لكريم مجرد قروض أو حسابات عادية. والدي، قبل وفاته، كان قد أسس صندوقاً ائتمانياً مغلقاً باسمي، وكنتُ طوال السنوات الماضية أضخ فيه كل مليم يفوق حاجتنا الأساسية. من هذا الصندوق، وبعقود غير معلنة وبنود حماية صارمة أصر عليها الأستاذ سامح، تم تمويل مقر شركة كريم الجديد في القناطر، ودُفعت الأقساط الأربعة الأولى من شقته الفخمة في التجمع، حتى القرض الذي حصل عليه ليدخل شراكة مع والد ياسمين، كان بضمان الأسهم المقفولة في هذا الصندوق باسم "منى الشربيني".
طارق كان يظن أن الأمومة ضعف مجاني يستمر للأبد.
في تمام الساعة الحادية عشرة، رن هاتفي. كان الأستاذ سامح:
— سامح: «مدام منى.. البنك الأهلي المتحد قام بتجميد الحساب الاستثماري المرتبط بالقرض التجاري لشركة كريم فوراً بناءً على سحب الضمان الشخصي. البنك أرسل له إشعاراً نارياً على بريده الإلكتروني بضرورة سداد العجز أو تقديم ضامن جديد خلال ٢٤ ساعة، وإلا سيتم إشهار الإفلاس القضائي.»
أخذتُ نفساً عميقاً وقلت: «وعقد الشقة يا سامح؟»
— سامح بنبرة حازمة: «الشركة العقارية استلمت طلب الفسخ المكتوب بناءً على بند عدم التنازل عن الملكية للغير قبل السداد الكامل.. غداً صباحاً، سيصل شريف إخطار بالإخلاء خلال ٤٨ ساعة لعدم قانونية قاطني الوحدة.»
في ذات الوقت، داخل قاعة الفرح..
كان كريم يمسك بيد ياسمين ويتأهب لقطع التورتة الأسطورية المكونة من سبع طبقات. فجأة، اهتز هاتفه في جيب بدلته بعنف متواصل. أخرجه بضيق، وأول ما وقعت عيناه على الإشعارات البنكية المتتالية، شحب وجهه تماماً وتحولت ملامحه للون الكفن.
قرض الشراكة مع حماه.. تم إلغاؤه.
حسابات شركته.. مجمّدة.
رسالة طرد من شقة الزوجية.. تصل في ذات اللحظة.
والد ياسمين، رجل الأعمال "حسين علام"، اقترب منه وعقد حاجبيه بضيق وهو يمسك بموبايله هو الآخر:
— حسين بحزم: «جرى إيه يا كريم؟ البنك لسه مكلمني وبيقولوا إن الضامن بتاعك سحب غطاء الأسهم فوراً! الشراكة بتاعتنا كدة بقت في الهواء، والشيكات اللي كتبتها بمؤخر صداق بنتي ملهاش رصيد في الحساب المالي لشركتك!»
ياسمين التفتت وبدأت تصرخ ووجهها يتشنج من الرعب والفضيحة أمام المعازيم: «كريم! أنت بتقول إيه؟ الشقة اللي حطينا فيها أثاث بـ ٢ مليون جنيه مالها؟ البنك بعت إخطار طرد ليه؟ إنت طلعت كذاب ومش مليونير زي ما قولت لنا؟»
كريم وقف في نص الفرح، والكلابشات النفسية بتخنق رقبته. في ثانية واحدة، انقشعت الغمامة عن عينيه، وافتكر وجهي وأنا واقفة على البوابة بالفستان الكحلي القديم وابتسامتي الهادئة. فهم متأخر جداً إن الست الغلبانة اللي استعرّ من شكلها قدام الناس، كانت هي الحبل السري اللي مخليه واقف على رجله وسط الحيتان!
في الساعة السابعة من صباح اليوم التالي..
كنتُ أجلس في صالة بيتي الصغير الدافئ في مصر الجديدة، أشرب الشاي بالياسمين، والجواب الذي رفض كريم قراءته موضوع على الطاولة أمامي.
انفتح الباب بعنف.. ودخل كريم.
لم يكن العريس المغرور صاحب البدلة الشيك؛ كان مبهدلاً، كرافتته مقطوعة، ووجهه تملأه دموع ذليلة وخوف حقيقي طير النوم من عينيه. وخلفه كانت تقف ياسمين وهي تبكي بانهيار بعد أن تركها أهلها في الفندق ورفضوا إتمام أي إجراءات بعد فضيحة الإفلاس.
سقط كريم على ركبتيه تحت رجلي، وأمسك بعباءتي البسيطة وهو يبكي بصوت مخنوق:
— كريم: «أمي! أرجوكي يا أمي سامحيني! أنا كنت غبي، اتعميت بالمظاهر والكلام الفاضي بتاع ياسمين وأهلها! الشركات بتضيع والشقة هتروح وهتسجن! أنا ابنك يا أمي.. الطفل الصغير اللي شلتيه من الملجأ وربيتيه بدمك! بلاش ترميني في الشارع!»
ياسمين جثت هي الأخرى على ركبها تتذلل بكسرة تاريخية غسلت كل غلها القديم: «طنط منى! أبوس إيدك سامحينا! أنا كنت جاهلة ومأعرفش إن كل العز ده من خيرك وتضحياتك! بلاش تخربي بيتنا في أول يوم!»
نظرتُ إليهما من فوق.. لم أشعر بشماتة، ولم أشعر برغبة في الانتقام؛ شعرتُ فقط برضا تفتت معه كل قهر عشته طوال السنوات الماضية. سحبتُ عباءتي من بين يديه بهدوء، وأخذتُ الجواب من على الطاولة وحطيته في إيده.
— منى ببرود وثبات قاطع: «الطفل الصغير اللي شلته من دار الرعاية وأنا عندي ٣٠ سنة، مات ليلتها على بوابة الفرح يا كريم. أنا اديتك اسمي، وعمري، وصحتي، وبعت دهب أمي عشان أعملك بني آدم.. ولما بقيت بني آدم، أول حاجة عملتها إنك قولت لي (لبسك مينفعش مع شكل الناس). إنت مابتستعرش من لبسي يا كريم.. إنت بتستعر من أصلك، وبتستعر من اليد الشقيانة اللي كبرتك.»
تابعتُ وأنا بقوم وبفتح باب الشقة بروقان تام:
— «الحسابات مش هترجع، والضمانات اتسحبت بلا رجعة. خذ الـ ٥ مليون جنيه اللي فاضلين في الصندوق كاش، خدهم سدد بيهم ديونك للبنوك عشان متتسجنش.. ده آخر بر أمومة هتشوفه مني في حياتك. بس الشراكة، والشقة، والشركة، واسمي.. كل ده اتمسح من حياتك. خذ ناسك المناسبة، واطلعوا بره بيتي.. المرة دي للأبد.»
خرج كريم وياسمين من الشقة مطرودين، وحيدين، ومكسوري الكبرياء الزائف للابد. اضطر كريم يبيع كل ما يملك ليسدد ديون حماته ويحمى نفسه من الحبس، واستقر مع ياسمين في شقة إيجار قديم ضيقة جداً في أطراف القاهرة، وعاش في نكد وخناق مستمر ليل نهار بعد ما انطفت أنوار المظاهر الكدابة وذاقوا طعم الفقر الحقيقي.
أما أنا.. "منى"..
فبعتُ الشقة القديمة، وسافرتُ في رحلة عمرة طويلة غسلت فيها تعب ٣٠ سنة في رحاب بيت الله الحرام. رجعتُ وأسست مشغلاً صغيراً لتفصيل الملابس الراقية في المعادي، وبقى المشغل مالي الدنيا نجاح ونور، وعايشة في شقة جديدة شرحة بتبص على النيل والزرع بالأمان والدفا الباقي.
وفي يوم ربيعي جميل من أيام مايو ٢٠٢٦، كنتُ واقفة في المشغل بتاعي، ودخلت عليا بنت صغيرة من دار الرعاية اللي كنت بزورها دايماً، وحضنتني من وسطها وهي بتضحك بنقاء. ابتسمتُ من كل قلبي وحسيت بنور ربنا بيملأ روحي.
اتعلمت منى إن الأمومة مش صك عبودية للجحود؛ الأمومة كرامة وعزة نفس، والست اللي بتصبر وتكبر بالحق، ربنا بيسخر لها الأرض ومن عليها عشان يرفعوا مقامها فوق السحاب بالرحمة والنور والكرامة العظيمة التي لا تموت للأبد.
**تمت.**