جوز امي ال رباني
الإشارة. أبوكي طارد عربية أمك على الطريق السريع، وهو اللي خبط عربيتها لحد ما اتقلبت بيكوا. أنا وصلت متأخر... قدرت أطلعك إنتي من العربية وإنتي في حضنها، بس أمك كانت بتلفظ أنفاسها الأخيرة، وآخر طلب ليها كان إني أخدك وأختفي.
أبوكي اتقبض عليه ليلتها واتحكم عليه بالمؤبد. أنا استقلت من شغلي، غيرنا مكاننا، وعشت بقية عمري عشان أربيكي في أمان وأعوضك عن كل الرعب ده. خبيت عنك الحقيقة عشان تعيشي طفولة طبيعية، وعشان ما تعيشيش عمرك خايفة ومستنية اللحظة اللي يخرج فيها."
إيدي سابت الورقة، وحسيت إن الهوا انسحب من الجراج كله. مايكل ما كانش بس أب حنون... ده ضحى بحياته وبمستقبله عشان يفضل حارس ليا.
مديت إيدي في قاع الصندوق، وطلعت آخر حاجة فيه: صورة قديمة ومحضر شرطة. الصورة كانت لأبويا الحقيقي يوم القبض عليه من أكتر من ٢٠ سنة.
بصيت في الصورة، وقلبي نزل في رجلي، والدم هرب من وشي.
نفس الملامح الكبيرة، نفس العيون القاسية، ونفس الندبة القديمة تحت عينه الشمال.
الراجل العجوز اللي قرّب مني في الجنازة وقال لي افتحي الدرج... كان هو. أبويا الحقيقي.
خرج من السجن. ومايكل اللي كان الدرع بتاعي مات. ودلوقتي... هو عرف مكاني، وهو اللي وجّهني للصندوق ده عشان يعرفني إنه رجع.
وفجأة، وسط الصمت المرعب في الجراج، سمعت صوت خطوات تقيلة وبطيئة على خشب السلم اللي بينزل من البيت للجراج... وصوت الباب بيتقفل ورايا بالمفتاح.
الخطوات كانت بتقرب.. خطوة.. التانية.. التالتة.
لفيت وشي ناحية السلم، وظهر من الضلمة. نفس الراجل العجوز اللي كان في الجنازة، بس المرة دي ملامحه كانت قاسية ومرعبة. ابتسم ابتسامة باردة وقال بصوت خشن: "كبرتي وبقيتي نسخة من أمك.. مايكل عرف يخبّيكي كويس، بس أنا حلفت إني هلاقيكوا أول ما أخرج."
رجعت لورا خطوتين لحد ما ضهري خبط في ترابيزة الشغل. قلبي كان بيدق بسرعة لدرجة إني كنت حاسة إنه هيقف.
كمّل وهو بيقرب ببطء وبيطلع سكين من جيبه: "أمك خدت مني كل حاجة، والظابط بتاعها خد حريتي.. ودلوقتي، جه وقت تصفية الحساب."
في اللحظة دي، شريط حياتي مع مايكل عدّى قدام عيني. افتكرت صوته وهو بيعلمني أدافع عن نفسي، افتكرت جملته: "دافعي عن نفسك، إنتي أقوى من أي خوف."
إيدي اللي كانت ورايا خبطت في الصندوق المعدني المفتوح. أصابعي لمست حاجة باردة وتقيلة متخبية تحت قاع الصندوق اللي شلت منه الورق. سحبتها بسرعة... كان مسدس مايكل الميري القديم، اللي احتفظ بيه كل السنين دي، ومحطوط جنبه خزنة مليانة.
رفعت المسدس في وشه. إيدي كانت بتترعش في الأول، بس لما بصيت في عينه وشفت نفس القسوة اللي قتلت أمي، إيدي ثبتت تمامًا.
وقف مكانه مصدوم، خطوته اتجمدت وما اتوقعش رد فعلي.
قلتله بصوت حازم، أنا نفسي استغربته: "أنت مش أبويا. أبويا مات النهاردة، والراجل اللي قدامي ده مجرد قاتل... لو خطيت خطوة واحدة كمان، هنهي اللي مايكل بدأه من ٢٠ سنة."
حاول يضحك باستهزاء وياخد خطوة مفاجئة ناحيتي، بس أنا ما اترددتش. ضربت طلقة، مش فيه، بس في الحيطة اللي جنبه بالظبط. صوت الرصاصة رجّ الجراج كله وخلته يترعش ويرجع لورا برعب، والسكينة وقعت من إيده.
كنت عارفة إن الجراج معزول الصوت ومحدش من الجيران هيسمع، بس مايكل كان عامل حسابه على كل حاجة. مديت إيدي التانية وضغطت على زرار طوارئ مخفي تحت الترابيزة—مايكل كان دايمًا يقولي "الزرار ده لو دوستي عليه، البوليس هيكون هنا في دقايق، استخدميه لو حسيتي بأي خطر وأنا مش موجود".
فضلنا واقفين، أنا رافعة المسدس وهو رافع إيده بخوف، لحد ما سمعنا صوت سراين البوليس بتقرب وبتكسر باب الجراج.
قبضوا عليه. تاريخه القديم، ومحاولة تعديه عليا، كانوا كفيلين يرجعوه السجن، بس المرة دي عشان يموت فيه.
لما الدنيا هديت والشرطة مشيت، قفلت باب الجراج. رجعت قعدت على كرسي مايكل، مسكت رسالته وضميتها لصدري وبكيت.. بس المرة دي ما كانتش دموع قهر، كانت دموع امتنان.
مايكل ما كدبش عليا عشان يخدعني، كدب عشان يخليني أعيش طفولة ما فيهاش وحوش. حتى وهو بيفارق الدنيا، كان مأمن حياتي وسايبلي الحقيقة والسلاح اللي يحميني.
الراجل اللي سابني ومشي ما كانش أبويا.. الأب هو اللي فضل، اللي ربى، واللي حماني حياً وميتاً.