اختي التؤام

لمحة نيوز

الناس قالو لأهلي إن أختي التوأم ماتت… لكن بعد ٦٨ سنة وقفت قصاد ست شبهِي بالظبط.

كان عندي خمس سنين لما أختي التوأم “إيلا” اختفت. يومها بابا وماما كانوا في الشغل، وإحنا كنا قاعدين عند جدتنا. أنا سخنت وعييت، وهي فضلت قاعدة جنبي لحد ما نمت. وإحنا نايمين، إيلا خرجت تلعب بالكرة المفضلة بتاعتها.

لما جدتي خرجت بعدها تنادي عليها، محدش رد. بس صمت.

بيتنا كان على حدود غابة. هناك لقوا الكرة… وملاقوش أي حاجة تانية.

الشرطة فضلت تدور شهور. وبعدها بيوم، قالوا لأهلي إن إيلا اتلقت ميتة. أنا كنت صغيرة ومش فاهمة، بس كانت عالمي كله. كنا بنشارك كل حاجة… اللعب، الأسرار، وحتى هدوم ماما. عمرنا ما اتخانقنا.

فضلت أسأل: لقوها فين؟ إيه اللي حصل؟ إمتى؟

ماما كانت بتسكتني كل مرة، وتقول إني بوجعها بأسئلتي ومش محتاجة أعرف. ومع الوقت بطّلت أسأل.

مكانش في جنازة… أو على الأقل أنا مش فاكرة.

عدّى ٦٨ سنة. بنيت عيلة لنفسي. من بره حياتي كانت كاملة وسعيدة. بس إيلا عمرها ما خرجت من بالي.

من قريب، حفيدتي اتقبلت في كلية بره الولاية، فسافرت أزورها. في يوم الصبح، وهي في المحاضرات، خرجت أتمشى ودخلت كافيه صغير دافي.

وإحنا واقفة في الطابور، سمعت صوت ست… صوتي أنا.

كانت واقفة عند الكاونتر بتاخد قهوتها. ولما لفت وشها… الدم جمد في عروقي.

نفس الملامح. نفس الصوت. نفس العمر.

كأني ببص في مراية حية.

رجليّ كانوا هيخونوني. مش فاهمة إزاي ده ممكن يحصل، بس مقدرتش أسكت. مدت إيدي ولمست كتفها.

لفّت تبصلي… وكانت ملامح الصدمة على وشها زيي بالظبط.

صوتي اتكسر وأنا بهمس بالاسم الوحيد اللي له معنى:

“يا إلهي… إيلا؟”

بصت لي باستغراب، عيونها كانت بتلمع بدموع محبوسة، وقالت بصوت مهزوز: "أنا اسمي سارة.. إنتِ مين؟ وليه بتناديني بالاسم ده؟"

الناس في الكافيه بدأوا يلاحظوا الهرجلة، الكل سكت وهما بيشوفوا نسختين من نفس الست واقفين قدام بعض، الفرق الوحيد كان لون الكارديجان اللي لابساه. أخدتها من إيدها وقعدنا على ترابيزة في الركن، كنت حاسة إن قلبي هيقف من دقاته السريعة.

بدأت أحكي لها عن الغابة، عن الكرة الحمراء، وعن اليوم اللي قالوا فيه إنها ماتت. سارة (أو إيلا) كانت بتسمع وهي بتترعش، وفتحت شنطتها وطلعت صورة قديمة ومتهالكة كانت دايماً شايلاها معاها.. صورة لبيت قديم على حدود غابة.

قالت لي بصوت واطي: "أنا طول عمري فاكرة إني تيهت، الست اللي ربتني قالت لي إنها لقتني في الغابة وحيدة ومحدش سأل عني.. قالت إن أهلي تخلصوا مني عشان كنت مريضة ومصاريفي كتير. عاشت بيا في ولاية تانية خالص، وسمتني سارة."

هنا عرفت الحقيقة البشعة.. إيلا ماتخطفتش من غريب، إيلا اتسرقت من جارة قديمة لينا كانت بتكره أمي وعارفة إنها مش بتخلف، واستغلت لحظة مرض جِدتي وغيابي في النوم وخدتها. والأبشع؟ إن الشرطة اللي بلغت بموتها كانوا وقتها فاسدين أو اتدفع لهم عشان يقفلوا الملف ويهدوا أهلي بأي كذبة.

ساعتها، قررت إني لازم أرجعها للبيت. كلمت ابني وحكيت له، ومكنش مصدق لحد ما شافها فيديو. سافرنا فوراً لبيتنا القديم، البيت اللي أمي لسه عايشة فيه لوحدها، ست عجوزة في أواخر التمانينات، عايشة مع ذكرياتها وصورنا.

لما دخلنا عليها، أمي كانت قاعدة في الصالة، بصت لنا والرميوت وقع من إيدها. قامت وهي بتسند على العكاز، وبدأت تلمس وش إيلا وتعيط بصوت مكتوم وتقول: "كنت عارفة.. كنت عارفة إن الغابة مكلتكيش يا بنتي. قلبي كان بيقولي إنك لسه بتتنفسي."

اتضح إن أمي طول السنين دي كانت حاسة إن في حاجة غلط، بس الصدمة وكلام الناس كسرها.

تم نسخ الرابط