اختي التؤام

لمحة نيوز

 قضينا أسبوع كامل بنحكي لبعض عن السنين اللي فاتت. إيلا كان عندها ولاد وأحفاد برضه، وعيلتنا اللي كانت ناقصة فجأة كبرت وبقت عيلة واحدة.

أصعب لحظة كانت لما روحنا الغابة سوا، وقفنا عند نفس الشجرة اللي لقيوا عندها الكرة من ٦٨ سنة. مسكنا إيد بعض، المرة دي وإحنا ستات عجايز بس جوانا نفس البنتين الصغيرين اللي كانوا بيلعبوا زمان.

إيلا بصت لي وقالت: "٦٨ سنة ضاعوا يا أختي.."

رديت عليها وأنا ببتسم بدموع: "مش مهم اللي ضاع، المهم إننا دلوقتي هنا.. ومحدش هيقدر يفرقنا تاني، ولا حتى الموت."

تمت

كنت بنظف مخزن بيت جدي القديم بعد وفاته، ولقيت صندوق خشبي صغير مقفول بقفل صدِئ. لما كسرته، ملقيتش ذهب ولا فلوس.. لقيت رسايل مبعوتة لجدتي، بس مش من جدي!

الرسايل كانت من شخص اسمه "يونس"، وتاريخها يرجع لسنة 1960. في آخر رسالة مكتوب: "لو مقدرناش نتقابل عند الساقية النهاردة، اعرفي إنهم أجبروني أهرب، بس هسيب لك أغلى ما أملك أمانة معاكِ."

بدأت أدور في أوراق العيلة، واكتشفت إن "يونس" ده كان الصديق الروح لجدتي، واختفى فجأة في ظروف غامضة والكل قال إنه سافر ومات هناك. الفضول قتلني، فبدأت أسأل جيران جدي القدامى، لحد ما وصلت لراجل عجوز قالي: "يونس مهربش.. يونس ساب طفلة رضيعة لجدتك عشان تحميها من عيلة كانت عاوزة تخلص منها."

الصدمة كانت لما عملت مقارنة للتواريخ.. أمي اتولدت في نفس الشهر اللي يونس اختفى فيه، ومفيش أي صورة لجدتي وهي حامل في أمي! روحت واجهت أمي بالحقيقة، ولما سألنا في سجلات المواليد القديمة، اكتشفنا إن أمي  كانت "الأمانة" اللي يونس سابها لجدتي قبل ما يختفي عشان يحمي حياتها.

بعد رحلة بحث استمرت شهور، قدرت أوصل لعنوان في مدينة تانية. خبطت على الباب، وفتح لي راجل عجوز، أول ما شافني وقعت منه العصاية ودموعه نزلت.. كان يونس. بص لي وقال: "إنتِ فيكِ ملامحها.. هي لسه عايشة؟"

عرفت وقتها إن جدي وجدتي ضحوا بسمعتهم وحياتهم عشان يربوا أمي كبنتهم ويحموها من ثأر قديم كان هيقتلها وهي رضيعة.

القصة الثانية: "البيت ذو الباب الموصد"

طول عمري كنت بشوف في بيتنا القديم باب في آخر الممر، بابا دايماً بيقول إنه "مخزن متهالك" وممنوع حد يقرب منه لأن السقف ممكن يقع. كبرت وأنا مصدقة الكذبة دي، لحد ما بابا تعب جداً وقبل ما يموت مسك إيدي وقالي: "يا بنتي، سامحيني.. افتحي الباب اللي في الممر، كفاية ظُلم."

بعد الجنازة، روحت والفضول والخوف بياكلوني. كسرت الباب، واتفاجئت إن الغرفة مش مخزن.. دي غرفة نوم كاملة، نظيفة جداً وكأن في حد عايش فيها، وفيها سرير صغير، ولعب أطفال من زمن السبعينات.

لقيت مذكرات مكتوبة بخط بابا، بدأت أقراها وصعقت: "اليوم كملت 'ليلى' سنتين، كان لازم أخبيها.. الناس مش هترحمنا لو عرفوا إن عندي بنت 'مختلفة'." ليلى كانت أختي الكبيرة، اتولدت بمتلازمة نادرة وبابا كان بيخجل من نظرة المجتمع وقتها، فقرر يحبسها في الغرفة دي بعيد عن عيون الناس.

فضلت أدور في الغرفة لحد ما لقيت ممر سري بيؤدي لبيت صغير ملحق ببيتنا من ورا، وهناك لقيت ست كبيرة قاعدة بتبص من الشباك، ملامحها بريئة جداً وبتقول كلمات مش مفهومة. الست دي كانت أختي "ليلى".. بابا مقتلهاش ولا رماها، هو بس حبسها عن العالم وساب لها خادمة وفية تهتم بيها طول ٥٠ سنة من غير ما حد يعرف بوجودها.

لما شافتني، ابتسمت وقالت: "بابا؟" مسكت إيدها وبكيت، وعاهدت نفسي إن ليلى لازم تخرج للنور وتشوف الشمس اللي اتحرمت منها نص قرن بسبب خوف بابا من "كلام الناس".

تم نسخ الرابط