عيالي

لمحة نيوز

بعد الإجهاض التالت، الدكاترة قالوا لآنا إن بويضاتها ضعيفة جداً، وإن نسبة نجاح أي حمل في المستقبل شبه مستحيلة. آنا حست إن دنيتها بتنهار، كانت مرعوبة إني أسيبها أو إني أتحرم من حلم الأبوة بسببها. وفي يوم، راحت لمركز خصوبة كبير من ورايا، والدكتور اقترح عليها حل: إنهم يستخدموا بويضة من متبرعة مجهولة، يخصبوها بالسائل المنوي بتاعي، ويزرعوها في رحمها مع بويضة من بويضاتها الضعيفة كـ "محاولة أخيرة".
آنا وافقت وهي في قمة اليأس. مضت على أوراق كتير، ودفعت فلوس للمركز عشان يتكتموا على السر. المركز اختار متبرعة، بس بسبب لخبطة في الملفات أو يمكن لأن آنا ماكنتش مهتمة تقرأ مواصفات المتبرعة من كتر لهفتها على الحمل، المتبرعة دي كانت من أصول إفريقية وبشرتها سمرا.
آنا قالت لي: "لما ولدت وشوفتهم... قلبي وقف. عرفت فوراً إن البويضة بتاعة المتبرعة نجحت، وإن بويضتي أنا كمان نجحت بأعجوبة. بقيت أم لتوأم... واحد مني ومنك، والتاني منك ومن الست الغريبة دي. لما صرخت فيك يوم الولادة وقولتلك ماتبصش عليهم، كنت مرعوبة... كنت خايفة تكتشف الكدبة وترميني في الشارع. ولما طلبنا تحليل الـ DNA، أنا كنت متأكدة مليون في المية إنك أبوهم هما الاتنين، عشان كده كنت مطمنة للنتيجة، بس كنت بدعي ربنا إنك ماتطلبش تحليل أمومة ليا!"
كلامها كان زي الرصاص. كل لحظة حب، كل حضن، كل مرة بصيت فيها لولادي وقولت سبحان الله على خلقة ربنا، كانت مبنية على كدبة.
أنا ماقدرتش أستحمل. سيبت البيت ونزلت أتمشى في الشوارع زي المجنون. فضلت يومين في فندق، قافل تليفوني، مش عايز أكلم حد ولا أشوف حد
بس في نفس الوقت، صورتهم ماكنتش بتفارق خيالي. "زين" اللي واخد ملامح آنا وبشرتها الفاتحة، و"مالك" اللي بشرته سمرا وجميلة وعيونه بتلمع بضحكة بتاخد قلبي. مالك ده ابني... حتة مني، دمي بيجري في عروقه. آنا شالته في بطنها ٩ شهور، تعبت في ولادته، سهرت جنبه وهو مريض، رضعته واديته كل حنان الدنيا. الأمومة عمرها ما كانت بس جينات وبويضات... الأمومة هي الدم والروح والسهر والتعب.
بعد أسبوع من البعد، لقيت تليفوني بيرن. كانت آنا، بترد بصوت مخنوق ومكسور:
"مالك سخن جداً... حرارته مش بتنزل، أنا في المستشفى ومش قادرة أقف على رجلي... أرجوك تعالى، هو محتاجك."
مافكرتش لحظة. ركبت عربيتي وطرت على المستشفى. أول ما دخلت الأوضة، لقيت آنا قاعدة على الأرض جنب سرير مالك، ماسكة إيده الصغيرة  ودموعها مغرقة وشها، وكانت بتدعي بصوت واطي: "يا رب خد من عمري وإديله... يا رب ده ابني وروحي."
في اللحظة دي، كل الغضب اللي جوايا اتبخر. حسيت إن كل الحسابات وكل الكدب وكل الجينات مالهاش أي قيمة قدام مشهد الأم اللي بتموت من القلق على حتة من قلبها. قربت منها، قومتها من على الأرض، لأول مرة من يوم ما عرفت الحقيقة. آنا انهارت وفضلت تعتذر وتتأسف مئات المرات.
قلت لها وأنا بمسح دموعها:
"أنا زعلت عشان كدبتي عليا... زعلت إنك شيلتي الحمل ده كله لوحدك السنين دي كلها وكنتي بتتعذبي في صمت. إنتي فكرتي إني ممكن أسيبك عشان مش عارفة تجيبيلي طفل؟ إنتي عندي بالدنيا وما فيها يا آنا."
بصينا لـ "مالك" اللي بدأ يفتح عينيه ويبتسم لما شافني، و"زين" اللي كان نايم على الكرسي التاني في الأوضة.
قلت لها بصوت مليان يقين:
"الورقة اللي إنتي اديتهالي دي أنا قطعتها ورميتها. مالك وزين دول ولادنا إحنا. أنا أبوهم، وإنتي أمهم اللي تعبت فيهم وشالتهم في بطنها وربتهم بدمها. مفيش أي حاجة في الدنيا هتهز الحقيقة دي."
رجعنا بيتنا، والحياة ما رجعتش طبيعية في يوم وليلة، أخدنا وقت عشان نرمم الثقة اللي انكسرت، ورحنا لدكتور نفسي عشان نساعد آنا تتخطى الإحساس بالذنب وعقدة النقص اللي كانت حاسة بيها، وعشان نتعلم إزاي هنشرح لولادنا قصتهم لما يكبروا بكل حب وصدق من غير أي أسرار أو كدب.
دلوقتي، ولادي عندهم ٧ سنين. لما بنمشي بيهم في الشارع، الناس لسه بتبص علينا باستغراب... إزاي توأم واحد أبيض وواحد أسمر؟
زمان كنت بتوتر من النظرات دي، بس دلوقتي بقيت أبتسم، وأبص لآنا وأمسك إيديها، وأقول في سري: "دول ولادي... ودي أغرب، وأجمل معجزة حصلت في حياتي."
 

تم نسخ الرابط