بنت مراتي حكايات بسمه
بنت مراتي كانت واقفة على منصة حفلة التخرج، قدام مئات الناس، بتعيط بدموع "تمثيل" مثالية، وشكرت طوب الأرض إلا أنا. شكرت الدكاترة، شكرت صحابها، شكرت أمها.. وبعدين رفعت راسها لفوق، وحطت إيدها على قلبها، وشكرت أبوها الحقيقي "المتوفي" وقالت إنه كان "روحها المرشدة"، وإن هو السبب في كل تعبها ونجاحها، والمصدر اللي استمدت منه قوتها عشان توصل للي هي فيه دلوقتي.
أنا كنت قاعد في أول صف، لابس بدلة غالية شاريها بفلوسي، بعد ما دفعت مصاريف 4 سنين جامعة، وكتب، وإيجار سكن، وأكل، ومواصلات، وحتى مصاريف دكتور السنان.. وكل مليم "مستخبّي" هو اللي بيصنع نجاح أي شاب في مقتبل عمره. أنا مكنتش موجود في "نسخة الحكاية" بتاعتها. هي مانسيتنيش.. هي "مسحتني" بأسيكة عمدًا.
اسمي "زين الشافعي"، وقضيت معظم حياتي ببني حاجات بتعيش. بشتغل في الاستثمارات الخاصة، يعني بفهم في المخاطر، والورق، والعواقب أكتر من أي حد. اتجوزت "هناء" لما بنتها "سلمى" كان عندها 9 سنين. هناء كانت ست طيبة، بس كانت مهدودة وطالعة من تجربة صعبة بعد وفاة جوزها الأول "عادل"؛ كان فنان موهوب بس مستهتر، ساب وراهم ديون مابتخلصش، وأغاني مكملتش، وأسطورة وهمية هو اللي رسمها. سلمى كبرت وهي بتعبد الأسطورة دي.
عمري ما حاولت آخد مكانه. أنا اللي ربيتها، كنت بوديها المدرسة، وبدفع للمدرسين الخصوصيين، وبحضر اجتماعات أولياء الأمور، وبغير لها كاوتش العربية، وبسهر جنبها في كل تعب أو خبطة في حياتها. أنا اللي مولت كورسات الرسم، وجبت لها أول عربية، ودخلتها أحسن جامعة خاصة للفنون. كنت بقول لنفسي إن الحب "استثمار" مش دايماً بيرد بنفس العملة.. وكنت متقبل ده. بس اللي مقدرتش أقبله هو "المحو العلني" اللي متغطي بزي الحزن على أبوها.
بس اللي سلمى ماخدتوش بجدية أبدًا.. هو "صندوق الأمانة" (الترست).
أبويا الله يرحمه كان شايل مبلغ محترم لمستقبلها، لأنه كان بيحب هناء وعاوز يأمن سلمى. بس أبويا كان راجل دقيق ودماغه ناشفة. خلاني أنا "الواصي الوحيد" على الفلوس دي، وحط شرط واحد عشان الفلوس تطلع لها بعد التخرج: "إن المستفيد يظهر احترام مستمر وتديري للواصيين اللي ربوه فعلياً وصرفوا عليه". سلمى مضت على الورق ده يوم ما تمت 18 سنة من غير ما تقراه بتركيز. بالنسبة لها، الفلوس دي "حق مكتسب". بالنسبة لي، هي "فلوس مشروطة". والفرق ده هو اللي عمل الفرق دلوقتي.
بعد الحفلة، منقطتش بحرف. سلمت على الناس، واتصورت، وسبت سلمى تعيش دور البطولة. وطول الشهر اللي فات، كنت بتعامل بمنتهى الأدب بس بـ "برود" وقسوة، وهي بتخطط عشان تنقل في "شقة لقطة" في الزمالك، إيجارها خيالي ومتقدرش عليه لوحدها. كانت بتبعت لي الصور، والعفش اللي اختارته، وقيمة الإيجار.. وكأن التحويل البنكي هيتم "أوتوماتيك".
لحد ما جه يوم التلات الصبح، وتليفوني رن.
"يا زين.. مدير العقار بيقول إن الفلوس مسمعتش والتحويل لسه موصلش،" قالتها بدلع. "ممكن تحل الموضوع ده النهاردة؟"
سندت ضهري على الكرسي، وأديتها الحقيقة المرة في وشها:
"لأ يا سلمى،" قلتها بهدوء قاتل. "مش هقدر أحلها. الفلوس اتجمدت. إنتي كسرتي الاتفاق والشرط في اللحظة اللي وقفتي فيها على المسرح ومسحتي وجودي قدام 500 بني آدم."
لمدة 3 ثواني، مكنتش سامع غير صوت نفسها العالي.
بعدين همست بصدمة: "إيه؟! إنت بتقول إيه؟"
سكوتها كان فيه نوع من الصدمة اللي مغلفتها حالة إنكار، وكأنها مستنية أقول لها "بهزر معاكي"، بس أنا عمري ما كنت بهزر في الشغل، والنهاردة.. هي بقت بالنسبة لي مجرد "ملف استثماري فاشل".
كملت كلامي بمنتهى الثبات: "إيه يا سلمى؟ الصوت قطع؟ بقولك الفلوس اللي كنتِ معتمدة عليها عشان تعيشي دور "الأرستقراطية المستقلة" في الزمالك بح.. طارت مع الهوا اللي شكرتي فيه "روح" والدك وسيبتيني أنا اللي كنت شايل الشيلة لوحدي."
بدأ صوتها يترعش، بس لسه فيه نبرة التعالي اللي ورثتها عن الأوهام اللي زرعتها في دماغها: "إنت أكيد بتهزر يا زين! دي فلوس جدي، إنت مجرد واصي عليها، ملكش حق تمنعها عني.. دي ورثي!"
ضحكت ببرود، الضحكة اللي بتخوف الموظفين عندي في المكتب: "لا يا قطة، ده مش ورث، ده "هبة مشروطة". جدي الله يرحمه كان عارف إن الدنيا غدارة، وعارف إن التقدير مبيتشتريش بس بيتحط له ضمانات. الورقة اللي مضيتي عليها وإنتي عندك 18 سنة، واللي مكلفتيش خاطرك تقريها، كانت بتقول إن صرف المبلغ خاضع لتقديري الشخصي لمدى "احترامك وتقديرك" للعيلة اللي ربيتك. وإنتي يوم الحفلة، بعتي كل ده عشان لقطة درامية على المسرح."
المواجهة الكبرى
بعد ساعة، لقيت "هناء" داخلة عليا المكتب، وشها مخطوف، وسلمى وراها منهارة من العياط – المرة دي بجد مش تمثيل.
هناء قالت بصوت واطي: "زين، إيه اللي سلمى بتقوله ده؟ معقول هتهد مستقبل البنت عشان كلمة مألتهاش في حفلة؟ إنت عارف إنها لسه صغيرة ومبتفكرش."