بنت مراتي حكايات بسمه
قمت من ورا مكتبي، ووقفت قدام الشباك اللي كاشف القاهرة كلها، وقلت من غير ما أبص لهم: "الصغيرة دي يا هناء، خلصت جامعة بفلوسي. الصغيرة دي كانت بتطلب "أوردرات" أكل في الشهر بميزانية عيلة كاملة. الصغيرة دي مسحت وجودي قدام الناس اللي نصهم زمايلي في الشغل وعارفين إن عادل الله يرحمه مسبلهاش غير ديون أنا اللي سددتها عشان متمشيش توطي راسها في الأرض."
سلمى صرخت وهي بتمسح دموعها: "إنت عاوز تذلني بالفلوس؟ إنت بتشتري حبي بالفلوس يا زين؟ بابا عادل كان فنان، كان روح.. عمره ما فكر في الماديات زيك!"
التفت لها وبصيت في عينيها مباشرة: "بابا عادل "الفنان" سابك وإنتي عندك 9 سنين معندكيش تمن علبة لبن. بابا عادل اللي بتعبديه كان بيصرف فلوس دروسك على القعدة مع صحابه. أنا مابشتريش حبك، أنا "بوقف" تمويلي لقلة أدبك. الحب مابيتشرطش، بس "الاستثمار" بيتحسب بالورقة والقلم. إنتي اخترتي "الروح"، خلاص خلي الروح تدفع لك إيجار الشقة، وخلي "الإلهام" يشتري لك العفش المذهب اللي اخترتيه."
لحظة الحقيقة المريرة
هناء حاولت تهدي اللعب: "طيب يا زين، خلاص هي غلطت، وهي مستعدة تتأسف لك قدام الكل، ممكن نعدي الموضوع؟"
"لأ يا هناء،" قلتها وأنا برجع أقعد على مكتبي ببرود. "الاعتذار اللي بييجي بعد ما "الحنفية تقفل" ملوش طعم. ده اسمه نفاق عشان المصلحة. سلمى محتاجة تتعلم درس واحد في الحياة: إن الأفعال ليها عواقب. إنتي دلوقتي خريجة "فنون" جميلة، صح؟ وريني الفن ده هيأكلك عيش إزاي بعيد عن جيبي."
سلمى كانت بتبص لي بحقد، بس كان فيه ورا الحقد ده رعب حقيقي. الرعب من إنها تنزل من برجها العاجي وتتعامل مع الواقع.
"إنت هترمي بنتك في الشارع؟" هناء سألت بذهول.
رديت: "بنتك عندها شقتها اللي إحنا ساكنين فيها، أوضتها موجودة. لكن أحلام "الزمالك" والـ "لايف ستايل" اللي ملوش غطا، انتهى. والفيزا اللي معاكي يا سلمى، اتعمل لها "بلوك" من خمس دقايق. ومن بكرة، لو عاوزة مصروف، هتشتغلي في شركة الشحن بتاعتي كـ "موظفة استقبال".. هتاخدي مرتب زي أي حد، ومنه تصرفي على خروجاتك."
الانهيار الأخير
سلمى صرخت صرخة هزت المكتب: "أنا أشتغل سكرتيرة؟ إنت مجنون؟ أنا "سلمى عادل"! أنا فنانة!"
قلت لها بمنتهى الهدوء: "إنتي "سلمى عادل" اللي معهاش تمن المواصلات حالياً. والدرس الأول في الحياة يا فنانة: اللي مبيحترمش اليد اللي بتأكله، ميزعلش لما اليد دي تتسحب. قدامك 24 ساعة، يا تقبلي الشغل وتعيشي زي "البشر الطبيعيين" وتتعلمي التقدير، يا تروحي تعيشي في "خيال" والدك.. بس الخيال مبيسكنش في فنادق."
خرجت سلمى وهي بتخبط الباب وراها، وهناء فضلت واقفة بتبص لي بلوم.
قالت لي: "قسيت عليها يا زين."
رديت عليها وأنا بفتح ملف جديد: "أنا مكنتش قاسي يا هناء، أنا كنت "حقيقي" لأول مرة. إنتي دلعتيها على حساب كرامتي، وهي افتكرت إن صمتي ضعف. دلوقتي هي قدامها طريقين: يا تسترجل وتعتمد على نفسها وتعرف قيمة القرش، يا تفضل مستنية "الروح" تبعت لها شيك على بياض."
بعد شهر
التليفون رن تاني. كانت سلمى.
صوتها كان واطي، مكسور، وخالي من أي نبرة تعالي.
"زين.. أنا.. أنا واقفة قدام باب الشركة. المدير بيقول إني لازم أمضي على عقد الالتزام بمواعيد الشغل قبل ما استلم المكتب."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، مش شماتة، بس انتصار للمنطق.
قلت لها: "امضي يا سلمى. وأول مرتب هتاخديه، اعزميني بيه على "كوباية شاي" في كافتيريا الشركة.. من غير تمثيل، ومن غير مسرح. وقتها بس، هعتبر إن جدي الله يرحمه ارتاح في تربته، وإني بدأت فعلاً أربي "بني آدمة" مش مجرد "أسطورة" مزيفة."
قفلت السكة وأنا عارف إن الرحلة لسه طويلة، بس الأكيد إن مفيش حد تانى هيمسحني من "قصته" وهو بياكل من خيري.