طفلين

لمحة نيوز

كنت ناوية بس أجيب لتوأم من أطفال الشوارع وجبة دافية قبل ما "الشفت" بتاعي يخلص. وفجأة الولد بص لي ووشوشني: "ما تقوليش لحد.. إحنا مش مفروض نكون هنا." قلبي وقف لما البنت طلعت "دلاية" دهب محفور عليها اسم المدينة كلها عارفاه—شعار عيلة ملياردير مات من شهور. كنت فاكرة إني بنقذ أطفال مهجورة.. لحد ما سألوني: "أنتي أمنا؟"
كنت ناوية بس أجيب لتوأم غلابة لقمة دافية قبل ما أروح.
الساعة كانت داخلة على نص الليل، والمطعم ريحته قهوة محروقة وزيت وهدوم مبلولة من المطر. رجلي كانت واجعاني، والتبس (البقشيش) كان زي الزفت، وإيجار شقتي متأخر كالعادة. كنت بمسح الكاونتر لما شوفتهم من الشباك: ولد وبنت، يمكن عندهم ٨ سنين، قاعدين على الرصيف تحت نور المحل اللي عمال يرعش. هدومهم كانت نضيفة وغالية في يوم من الأيام، بس دلوقتي مكرمشة ومتبهدلة وخفيفة قوي على البرد ده. البنت كانت عمالة تفرك في إيديها، والولد بيحاول يبان شجاع بس جسمه كان بيتنفض.
خرجت وسألتهم: "يا حبايبي، فين أهلكم؟"
الولد بص الناحية التانية. والبنت سكتت خالص.
كان المفروض أطلب النجدة أو دار رعاية ساعتها. أنا عارفة كدة دلوقتي. بس كان فيه حاجة في وشهم خلتني أقف. مكنش شكلهم عيال شوارع، كان شكلهم عيال "متربية" ومتحفظة قوي.
"تعالوا ادخلوا،" قلت لهم. "كلو لقمة بس."
دخلوا ورايا من غير كلمة. قعدتهم في آخر طرابيزة وجبت لهم ساندوتشات جبنة سايحة وبطاطس وشوكولاتة سخنة. أكلوا بسرعة في الأول، وبعدين بدأوا ياكلوا بهدوء كأنهم افتكروا "الإتيكيت" اللي اتعلموه.
"اسمي نادية،" قلت لهم. "وأنتم؟"
البنت بصت للولد قبل ما ترد. "أنا ليلى.. وده يحيى."
"ليكم مكان تناموا فيه الليلة دي؟"
يحيى (Liam) قرب مني ووطى صوته: "أرجوكي ما تقوليش لحد إنك شوفتينا."
الطريقة اللي قال بيها الجملة خلت معدتي تتعصر. ده مكنش خوف عيال صغيرة.. ده كان رعب حقيقي.
"ليه؟" سألت بفضول وخوف.
يحيى جز على سنانه. وليلى مدت إيدها في جيب بالطوها الواسع وطلعت "دلاية" دهب وسلسلة مقطوعة. حطتها براحة على الطرابيزة وكأنها أهم من الأكل والشرب.
أول ما شوفت الشعار المحفور، الدم هرب من عروقي.
مصر كلها عارفة الرمز ده. ده شعار عيلة "كامل الدمنهوري"، الملياردير بتاع العقارات اللي مات في حادثة طيارة من ٦ شهور. صورته كانت في كل القنوات. وقصص ثروته وشركاته والخناقة القانونية على ميراثه كانت لسان حال الكل.
بصيت للدلاية، وبعدين للتوأم.
صوت ليلى كان بيترعش: "ماما قالت لنا لو حصل أي حاجة وحشة، لازم نلاقيها قبل ما 'هما' يلاقونا."
مكنتش قادرة أتنفس. "مين هي أمكم؟"
الأتنين بصوا في عيني بكل قوة.
وساعتها يحيى سألني السؤال اللي شقلب حياتي:
"أنتي أمنا؟"
يحيى بص لي بعينين مش ممكن تكون لعيال في السن ده، عينين شافت غدر ووجع أكبر من سنهم بكتير. لما سألني "أنتي أمنا؟" حسيت بكهربا في جسمي كله. مكنتش عارفة أرد، ولا كنت فاهمة هما ليه اختاروني أنا بالذات؟ أنا "نادية" اللي شغالة ويتر ويدوبك بلم ملاليم عشان أدفع الإيجار، إيه اللي يربطني بملياردير زي "كامل الدمنهوري"؟

"يا حبايبي، أنا عمري ما شفتكم قبل كدة،" قلتها وصوتي بيترعش. "أنا حتى معرفش عيلة الدمنهوري غير من التلفزيون."

ليلى طلعت ورقة مطبقة من جيبها التاني، الورقة كانت مهلهلة وكأنها ممسوكة بقالها أيام. "ماما سابت لنا الورقة دي.. وصورة."

فتحت الورقة، كان مكتوب فيها بخط سريع ومرعوب: "يحيى وليلى.. لو السواد عمّ، روحوا للعنوان ده.. نادية هي الوحيدة اللي تقدر تحميكم. نادية هي الأمان." وجنب الورقة، كانت فيه صورة قديمة.. صورة ليّ أنا! بس مكنتش أنا "نادية" اللي ببدلة الشغل التعبانة، كانت صورة ليّ وأنا لابسة لبس تخرج من كلية التمريض، وجنبي ست وشها مريح جداً، وعرفتني فوراً.. "صفاء"! صاحبة عمري اللي انقطعت أخبارها من ٩ سنين.

ساعتها بس فهمت.. "صفاء" هي اللي كانت متجوزة كامل الدمنهوري في السر، وهي اللي كانت بتبعت لي رسايل غامضة زمان إنها خايفة على ولادها.

"ماما فين يا يحيى؟" سألته بلهفة.

يحيى وشه اتخشب: "أخدوها.. ناس ببدل سودة وعربيات مضللة هجموا على البيت، وهي زقتنا من الباب الوراني وقالت لنا اجرروا.. ماتبصوش وراكم."

وفي اللحظة دي، وقبل ما أنطق كلمة واحدة، باب المطعم اتفتح برزعة عنيفة هزت المكان كله. دخل ٣ رجالة ببدل سودة، عضلاتهم واضحة، ونظراتهم زي الصقور. الزباين القليلين اللي كانوا قاعدين جرروا لبره مرعوبين.

واحد منهم قرب من الكاونتر، وصوته كان زي فحيح الحية: "سلمينا الأمانة يا شاطرة.. وبلاش مشاكل، عشان ليلتك تعدي."

يحيى وليلى استخبوا ورا ضهري، يحيى مسك طرف مريلتي بقوة، وليلى كانت بتكتم صرختها في دراعي.

أنا، نادية اللي طول عمري بخاف من خيالي، فجأة حسيت ببرود مرعب سكن في عروقي. "أمانة إيه؟ أنتم مين واقتحمتم المكان كدة إزاي؟"

تم نسخ الرابط