الحاجه هدي

لمحة نيوز

أنا اسمي الحاجة هدى، عندي 67 سنة، وقضيت أكتر من تلاتين سنة سكرتيرة في مدرسة ثانوي حكومي في شبرا. استحملت مديرين غلسين، وزحمة المواصلات، ووجع الضهر، وتطبيق كشوف المرتبات عشان أوصل ليوم المعاش اللي أرتاح فيه. كنت بحلم بصبحية هادية مع كوباية شاي بلبن، وشوية الزرع اللي في البلكونة، والراديو شغال على "إذاعة القرآن الكريم" أو "أغاني زمان" والشمس داخلة المطبخ تشرح القلب.
بس أول ما صرفت أول قبض لمعاشي، ولادي "أحمد" و**"سلمى"** قرروا إن معاشي ده ملكية خاصة ليهم.
في الأول كانت "جمل" من نوعية: "معلش يا ماما خليهم معاكي ساعة"، "يا ست الكل مشوار وراجعة". وبعدين البيت اتقلب لدار رعاية، ومطعم، ومدينة ملاهي. أحمد يجيلي قبل الساعة 7 الصبح يرميلي "ياسين" و**"سليم"**، عشان عنده "اجتماعات مهمة". أما سلمى، فكانت تشرف على الظهر بالبنت "ليلى" وتقولي "أنا مهبطة وتعبانة ومحتاجة أفصل شوية مع صحباتي" أو "رايحة الكوافير أغير مودي".
أنا بحب أحفادي، والله بحبهم ودول حتة من قلبي. بس فيه فرق بين الحب وبين إنك تربي تلات أطفال من أول وجديد وأنتي ماشية بالعلاج، ومحتاجة تقعدي كل ساعتين عشان ركبك بتزيق. آخر اليوم، الصالة بتبقى عبارة عن فتافيت بسكويت، وكوبايات مدلوقة، ولعب تحت الكنب، وشخبطة على الحيطان. وجنينتي الصغيرة اللي كنت بحلم أراعيها، بدأت تدبل.. وحياتي هي كمان بدأت تدبل معاها.
اللي كان واجعني مش التعب الجسدي، لأ.. كانت "الاستباحة". مابقوش بيستأذنوا، بقوا بيبلغوني بالأمر الواقع.
قبل ميعاد دكتور القلب بتاعي بأسبوع، قلتلهم بكل وضوح: "يا ولاد، يوم الثلاثاء الجاي أنا مش فاضية، عندي كشف مهم والضغط مش مظبوط بقاله فترة والدكتور مستنيني".
الرد كان "فورمات" واحدة من الاتنين: "حاضر يا ماما، هنشوف كدة ونظبط".. وكأنهم مسمعوش.
يوم الثلاثاء الساعة 8 الصبح، أحمد خبط على الباب وكأن البيت بيولع. فتحت لقيت العيال بهدومهم، واحد بيعيط والتاني وشه كله شوكولاتة.
— "معلش يا أمي، مراتي جالها مشوار مفاجئ وأنا مش هلحق، خديهم معاكي للدكتور مش هيجرى حاجة!".. وراح حاطط الصغير في حضني وجري.
اضطررت أكنسل الميعاد للمرة الثالثة. وقفت في نص الصالة، عيل ماسك في رجلي والتاني بيشد في جلاليبي، ودموعي نزلت في صمت قدام الحوض من القهر.
بس اللي حصل يوم الجمعة كان "القشة اللي قسمت ضهر البعير".
أحمد وسلمى سابولي العيال التلاتة "ساعتين بس" عشان عندهم عزومة شغل. قالوا الساعة 6 بالثانية هنكون عندك. الساعة جت 8 ومحدش بيرد. 10 وبرضه مفيش. على نص الليل، العيال ناموا في الصالة، واحد سخن وبيهلوس، والصغيرة بتعيط عايزة أمها، وأنا قاعدة جنب الشباك والموبايل بيترعش في إيدي من القلق.
شرفوا الساعة 2 الصبح.
داخلين يضحكوا ويهزروا وريحتهم أكل وخروج.
— "يا ماما بلاش دراما بقى،" سلمى قالتها وهي شايفة وشي المقلوب، "ما هم بيبقوا مبسوطين معاكي أكتر مننا!"
اتسمرت مكاني. مش عشان التأخير، ولا عشان استهتارهم.. بس عشان فهمت في اللحظة دي حقيقة مرة: ولادي مابقوش شايفيني "أمهم".
بقوا شايفيني "حل رخيص" لمشاكلهم.
وبعدها بيومين، سمعت أحمد في التليفون بيقول لواحد صاحبه: "يا عم فكك من موضوع السفر ده، أمي كدة كدة قاعدة مابتعملش حاجة، هتشيل هي العيال".. في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا انكسرت واتقفلت للأبد.
اللي عملته بعدها، خلى العيلة كلها في حالة ذهول.
محدش كان يتخيل الحاجة هدى ناوية على إيه..

بعد جملة أحمد في التليفون: "أمي كدة كدة قاعدة مابتعملش حاجة"، الدنيا اسودت في عيني لثواني، وبعدها نورت نور غريب. كأني كنت في غيبوبة وفقت. دخلت أوضتي، قفلت الباب بالمفتاح، وقعدت قدام المراية. بصيت لوشي، للتجاعيد اللي حفرها الشقا، لظهري اللي انحنى من شيل "شيل غيري".
قلت لنفسي: "يا هدى، أنتي عيشتي تلاتين سنة سكرتيرة في مدرسة، كنتي بتديري مئات الملفات والطلبة والمدرسين، هل معقولة تفشلي في إدارة حياتك وانتي عندك 67 سنة؟".
يوم السبت الصبح، كانت الخطة بدأت تتنفذ في دماغي بهدوء السكرتيرة القديمة اللي بتعرف ترتب أوراقها. أول حاجة عملتها، اتصلت بـ "سمية"، صاحبة عمري وزميلة الشغل القديمة اللي سافرت تعيش في الغردقة مع بنتها بعد المعاش.
— "أيوة يا سمية.. الشقة اللي جنبك لسه معروضة للإيجار المصيفي؟"
— "أيوة يا هدى، بس دي غالية عليكي يا حبيبتي، وأنتي يدوب المعاش.."
— "مش مهم السعر يا سمية، احجزيلي أسبوعين، من بكره."
الفصل الثاني: خطة "الخروج الكبير"

تم نسخ الرابط