الحاجه هدي

لمحة نيوز

يوم الأحد، العيال جم كالعادة. أحمد حدف "ياسين وسليم" وسلمى جابت "ليلى". دخلوا البيت وكأنه ملكية عامة.
أحمد: "يا ماما، الغدا إيه النهاردة؟ نفسي في محشي من إيدك."
سلمى: "وأنا يا ماما بالله عليكي اغسليلي كام طقم لليلى عشان الغسالة عندي عطلانة."
ابتسمت ابتسامة باردة، وقلت بكلمتين وبس: "حاضر، من عينيا."
قضيت اليوم كله وأنا بضحك معاهم، وبأكل العيال، وبلم الهدوم. هما افتكروا إني "اتكسرت" وخضعت للأمر الواقع، لكن الحقيقة إني كنت بودع البيت. بالليل، بعد ما مشيوا، لميت شنطة سفر صغيرة. حطيت فيها دوا الضغط، كام جلابية قطن مريحة، والراديو الصغير بتاعي، وصورة جوزي الله يرحمه.
الساعة 6 الصبح يوم الإثنين، قبل ما حد يوصل، نزلت من البيت. ركبت تاكسي للمحطة، ومن هناك على الغردقة. قبل ما أقفل تليفوني، بعت رسالة واحدة على "جروب العيلة" اللي فيه أحمد وسلمى:
> "يا ولاد، أنا قررت آخد أجازة من دور 'الحل الرخيص'. أنا في مكان أمان، متدوروش عليا، ومحدش يتصل بيا عشان تليفوني هيتقفل. البيت مفتاحه مع البواب لو محتاجين حاجة من هدومكم، بس مفيش حد هيفتحلكم الباب يربي العيال. جربوا تعيشوا حياتكم زي ما أنا كنت عايزة أعيش معاشي. مع السلامة."
> 
الفصل الثالث: الانهيار في شبرا
في الغردقة، قعدت قدام البحر. لأول مرة من سنين، شميت ريحة اليود بدل ريحة "الشرابات والرضاعات". كنت بسمع صوت الموج بدل صريخ "ياسين وسليم". سمية صاحبتي كانت بتجبلي الفطار لغاية عندي، ونقعد نضحك على أيام المدرسة.
أما في شبرا، فالدنيا كانت بتولع. عرفت من البواب "عم عبده" بعدين اللي حصل.
أحمد جه الساعة 7 الصبح، فضل يخبط ويرن الجرس، مفيش رد. اتصل بموبايلي لقى "عفواً، الهاتف مغلق". افتكر جرى لي حاجة، جاب البواب وكسروا القفل.. دخلوا لقوا البيت "زي القشطة"، مترتب ومنظم، وفي نص السفرة كانت فيه ورقة مكتوب عليها: "مواعيد دكتور القلب كانت كل ثلاثاء، ياريت حد فيكم يفتكر يروح يسأل عليا."
أحمد اضطر يغيب من شغله عشان العيال ملهومش مكان يروحوا فيه. وسلمى اللي كانت "مهبطة وعايزة تفصل"، لقت نفسها محبوسة بليلى في البيت، لا عارفة تروح كوافير ولا تقابل صحباتها. اكتشفوا فجأة إن "الست اللي مابتعملش حاجة" كانت هي العمود اللي شايل سقف حياتهم من غير ما يحسوا.
الفصل الرابع: المواجهة
بعد أسبوعين، رجعت. بس مكنتش "هدى السكرتيرة" اللي بتسمع الكلام. كنت "الحاجة هدى" اللي شافت البحر ولقيت نفسها.
دخلت البيت، لقيت الحالة تصعب على الكافر. الصالة مبهدلة، والزرع اللي في البلكونة مات فعلاً (ودا وجع قلبي بس كان لازم يحصل)، والعيال وشوشهم دبلانة.
أول ما شافوني، أحمد وسلمى هجموا عليا.
أحمد بزعيق: "كده يا أمي؟ تسيبينا كل ده وتصغرينا قدام الناس؟ أنا خصموا مني أسبوع من شغلي!"
سلمى بتعيط: "كنتي عايزة تموتينا من القلق؟ إحنا ولادك يا ماما!"
قعدت على الكرسي بتاعي، وحطيت رجل على رجل بهدوء، وقلتلهم:
— "خلصتوا؟"
سكتوا من صدمتهم في نظرة عيني.
— "أنا مسبتكمش، أنتم اللي سيبتوني. سيبتوني أغرق في طلباتكم ونسيتوا إني إنسانة، ليا طاقة وليا قلب بيتعب. أنتم مش بتحبوني يا ولاد، أنتم بتحبوا 'الخدمة' اللي بقدمها. ومن النهاردة، الخدمة دي انتهت."
أحمد: "يعني إيه؟ مش هتشيلي العيال تاني؟"
هدى: "هشيلهم لما أوحشكوا وتيجوا تزوروني 'زيارة حب'، مش 'رمية عيال'. يوم الخميس والجمعة البيت مفتوح لكم كجدة وأحفادها، ناكل ونلعب ونضحك. باقي الأسبوع، أنا مش موجودة. أنا اشتركت في نادي المسنين مع سمية، وبكره عندي رحلة للأقصر وأسوان."
الفصل الخامس: الحياة تبدأ بعد الستين
في الأول حاولوا يضغطوا عليا بـ "الابتزاز العاطفي".
"أصل العيال بيحبوا أكلك"، "أصلنا مش لاقيين حضانة كويسة".
كنت برد بكلمة واحدة: "اتصرفوا.. أنتم كبار."
بالتدريج، بدأوا يتأقلموا. أحمد لقى حضانة قريبة من شغله، وسلمى بدأت تنظم وقتها وتعتمد على نفسها. والأهم من ده كله، إنهم بدأوا يحترموا "مواعيدي". بقوا يتصلوا يسألوا: "يا ماما، ينفع نعدي عليكي بكره؟" مش "إحنا جايين وارمي العيال".
رجعت أهتم بزرعي، وجبت قصاري زرع جديدة بدل اللي ماتت. بقيت أصحي الصبح، أشغل إذاعة القرآن الكريم، وأشرب كوباية الشاي بلبن في البلكونة وأنا بتفرج على الشارع في هدوء.
ماتت "السكرتيرة المطيعة"، واتولدت "هدى" اللي عرفت إن الأمومة مش معناها إنك تمحي نفسك عشان ولادك يعيشوا، بالعكس.. الأمومة هي إنك تعلميهم يشيلوا مسئولية نفسهم، عشان لما تمشي، يسندوا نفسهم ويسندوا ذكراكي بالترحم مش بالتعود على الخدمة.
النهاية..
ويا ريت كل واحدة في مكان الحاجة هدى، تعرف إن "لا" مش عيب، وإن راحتك حق مش رفاهية.
تمت القصة.

 

تم نسخ الرابط