المستخبي ورا المرايا

لمحة نيوز

لقيت جواب مستخبي ورا مراية تسريحة أمي بعد وفاتها.. أبويا كاتب فيه عارف إنها مش بنتي، بس لو نطقتي هقولها إنتي عملتي إيه في أرض أمي!
أنا اسمي ميرا، عندي 34 سنة، وطول ال 34 سنة دول كنت عايشة في قصة مترتبة ومتألفة صح، قصة شكلها حلو بس من جوه فاضية تماماً.
من تلات أسابيع، كنت واقفة تحت المطر بودع أمي، ليندا، وهي بتنزف للتراب. ومن أسبوع، رجعت البيت اللي كبرت فيه بيت مبني من خشب وأسرار عشان أبدأ أصعب مهمة، وهي إني ألملم حياة إنسانة مابقتش موجودة. ريحة البيت كانت خليط من كريم الإيد باللافندر اللي أمي كانت بتحبه، وريحة ملمع الخشب.. روايح البيت، بس من غيرها كانت تحسسني بالوحدة أكتر.
أجلت أوضتها للآخر.. كانت هي المقدس بتاع البيت، والمكان اللي العفش فيه كأنه كاتم نفسه. بدأت أنضف التسريحة، لقيت الحاجات العادية بنس شعر، روج لونه مرجاني نصه خلصان، وعلبة دواء فيها حبايتين بيخبطوا في القاع.
وبعدين، جت عيني على المراية.
مراية تقيلة ببرواز خشب بلوط غامق. أمي كانت بتقعد قدامها كل يوم الصبح، ترسم وشها وتداري أثر الزمن. وأنا بمسح التراب من على القزاز، البرواز اتحرك من مكانه، وسمعت صوت تزييق والخشب بيفصل عن الضهر. ميلتها لقدام وأنا مستنية ألاقي عنكبوت أو حلق ضايع.
لكن اللي وقع كان ظرف ورق لونه أصفر.. وقع على المفرش الدانتيل كأنه دخيل مش مرغوب فيه. خط الإيد مكنش غريب عليا أبداً.. حرف ال L المعوج، وحرف ال D اللي لافف على نفسه كأنه بيدافع عن حاجة. ده خط أبويا. جمال مات من 10 سنين، بس لسه لخطه قوة تخلي قلبي يدق بعنف.
قعدت على طرف السرير، وفتحت الظرف. الورقة كانت خفيفة، وتاريخها مارس 1992. كان عندي كام شهر بس لما الكلام ده اتكتب
يا ليندا، أنا عملت تحليل الدم وهي عندها 6 شهور. أنا عارف إنها مش بنتي، بس هي بنتي أنا.. أنا اللي اخترتها، وهفضل أختارها. بس لو فكرتي في يوم تقولي لها الحقيقة، أنا هقول لها إنتي عملتي إيه في أرض أمي. دي آخر مرة هنتكلم في الموضوع ده. جمال.
العالم ماملش.. العالم اتكسر ميت حتة. مش بنتي.. إنتي عملتي إيه.. أرض أمي. الجمل كانت بتلف في دماغي زي الأسطوانة المشروخة وبتضرب في أساس هويتي. جمال الراجل اللي علمني ركوب العجل، اللي كان بيمشي مشاوير بالساعات عشان يشوفني 20 دقيقة في غدا الجامعة مطلعش أبويا؟ كان عارف من وأنا لسه بيبي؟ واستخدم المعرفة دي سلاح عشان يدفن سر تاني أضلم؟
قلبت الظرف. على الضهر، وبحبر مختلف أزرق تقيل، اتكتب بعد سنين كان فيه رقم تليفون. من غير اسم.. من غير أي تفاصيل. مجرد طوق نجاة رقمي مرمي في الفراغ.
مفكرتش.. معيطتش. مسكت الموبايل وطلبت الرقم. رن تلات مرات. راجل رد عليا، صوته واطي ومشرخ، صوت حد قضى عمره بيكلم الريح.
ميرا، قالها قبل ما أنا ألحق أخد نفسي. أنا مستني المكالمة دي بقالي 11 سنة. أنا اسمي توماس بيكيت.
ضغطت على الموبايل لدرجة إن صوابعي ابيضت، وكنت ببص لوشي في المراية المكسورة، ولقيت إن الست اللي بتبص لي دي.. هي واحدة غريبة أنا عمري ما قابلتها أصلاً.
سكتّ للحظة، النفس هرب مني، والاسم رنّ في ودني كأنه جرس إنذار توماس بيكيت. الاسم ده مكنش غريب، كنت بسمعه في حكاوي خالي أحمد عن واحد كان شغال في مزرعة جدتي زمان، واختفى فجأة في أوائل التسعينات، والكل قال إنه سافر يدور على رزقه بره البلد.
إنت مين؟ وتعرف اسمي منين؟ سألت بصوت بيترعش، وجوايا غضب مكتوم وخوف ملوش آخر.
رد توماس بهدوء مرعب أنا اللي كان المفروض أكون في الصور اللي متعلقة على حيطان بيتكم يا ميرا. جمال مكنش بس بيخبي سر، جمال كان سجان.. سجن أمك بالذنب، وسجنني أنا بالخوف. لو عايزة تعرفي الحقيقة، الحقيقة مش في الجواب.. الحقيقة مدفونة تحت شجرة الجميز القديمة في أرض جدتك هنية، الأرض اللي جمال قال إنها اتباعت وهي في الأصل اتقيدت بدم.
قفل السكة. قفل وسابني في دوامة.
أرض جدتي؟ الأرض دي أبويا جمال حكى لي إنها راحت في ديون قديمة بعد

تم نسخ الرابط