مرات ابني

لمحة نيوز

 شافتني يا ست هانم! وحشتينا يا أبلة! بقالك سنين ماشوفناش وشك!. عاملتني كأني بني آدمة ليها مقام، وده كان أغلى عندي من أي حاجة.
قضيت يومي أنظف بيتي.. بس التنظيف المرة دي مكنش تقيل، كان كأني بغسل هموم سنين من على روحي. بالليل قعدت على كرسي الهزاز في البلكونة، وشغلت راديو قديم بيذيع أنت عمري لأم كلثوم.. وفتحت الموبايل.
50 مكالمة فايتة! رسايل.. ماما إنتي فين؟، بلاش دراما يا ماما، العيال بيعيطوا، معندناش عشاء، لبس المدرسة فين؟.. وآخر رسالة من شيرين أنا هغير كالون الشقة!.
ضحكت من قلبي.. تغير الكالون؟ هي فاكرة إني عاوزة أرجع؟ هي لسه مش فاهمة إن الكالون اللي اتغير فعلاً هو الكالون اللي كان قافل على قلبي.
تفتكروا أحمد لما يجيله قرار المحكمة بالحجر على شقته اللي كانت بضمان ورقي هيعمل إيه؟
أحمد كان فاكر إن أمه دقة قديمة وبتمضي على أي حاجة من غير ما تقرأ، بس أنا كنت مدرسة لغة عربية، وعارفة يعني إيه ثغرة قانونية. شيرين اللي كانت بتعايرني باللقمة، كانت متعرفش إنها بتاكل وبتنام في بيت الكركوبة اللي مش عاجباها.
يوم التلات، الساعة 10 الصبح، الباب خبط عندهم. شيرين فتحت وهي لسه بقميص النوم ومنكوشة، كانت فاكرة إني رجعت بشنطتي ومكسورة الجناح عشان أعتذر. بس اللي كان واقف على الباب مكنتش أنا.. كان المحضر ومعاه إنذار رسمي بإخلاء الشقة أو دفع إيجار متأخر عن ال 5 سنين اللي فاتوا.
صدمة الجبان
أحمد اتصل بيا وصوته بيرعش
يا ماما إيه اللي إنتي بتعمليه ده؟ إحنا بنهزر؟ هتطردينا في الشارع؟ والعيال؟
رديت عليه بكل هدوء وأنا بشرب قهوتي وببص على موج البحر
العيال أحفادي وعلى عيني، بس أنت مش ابني اللي أنا ربيته.. أنت واحد غريب سمح
لمراته تهين كرامة اللي شالته 9 شهور. والبيت اللي أنت فيه، ده ملك الكركوبة، والكركوبة قررت تبيع الأملاك وتعيش الباقي من عمرها في عز، بعيد عن القرف والجحود.
شيرين أخدت منه الموبايل وهي بتصرخ
إنتي مفكرة نفسك مين؟ إحنا هنرفع عليكي قضية حجر! إنتي خرفتي يا ست إنتي!
ضحكت بصوت عالي، ضحكة مكنتش ضحكتها من يوم ما جوزي مات
ارفعي يا شيرين.. بس قبل ما ترفعي، ابقي اسألي المحامي بتاعك عن الورقة اللي أحمد مضى عليها لما أخد مني الفلوس، الورقة اللي بتقول إن أي إهانة ليا أو تقصير في حقي، بتلغي عقد الانتفاع فوراً. القانون مبيحمش المغفلين يا حبيبتي، والجحود ثمنه غالي قوي.
الحياة الجديدة في رأس البر
مر شهر.. بعت شقة القاهرة بمبلغ خيالي، وحطيت الفلوس في البنك، وبقيت أعيش من الفوايد ملكة. اشتريت عفش جديد، خفيف، لونه أبيض زي قلبي. بطلت أطبخ لجيش، بقيت أطبخ لنفسي بس، أكلة صغيرة على قد معدتي، بس طعمها كرامة.
أحمد حاول يجيلي رأس البر ومعاه العيال عشان يستعطفني. لما شوفت ياسين وليلى قلبي وجعني، بس لما بصيت لوش أحمد وشوفت فيه نفس نظرة الضعف والهروب، قفلت الباب الحديد.
يا ابني.. اللي يفرط في أمه عشان يسلم من لسان مراته، ملوش مكان في حضنها. العيال هبعت لهم مصاريفهم، لكن أنت وشيرين.. ملامحكم مابقتش تلزمني.
النهاية السعيدة
النهاردة، أنا قاعدة على الشط، لابسة فستان وسع مريح، وماسكة كتاب كنت نفسي أقرأه من عشر سنين ومافضيتش من غسيل المواعين وكوي القمصان. شيرين وأحمد دلوقتي مأجرين شقة قانون جديد في منطقة شعبية، وشيرين نزلت تخدم في البيوت أو تشتغل في محل عشان تسدد ديون الإيجار، وأحمد بقى بيسمع كلامها وهي بتندب حظها اللي رماها على ابن فقرية ضيع ورث أمه بضعف شخصيته.
أنا مش شريرة، أنا بس اتعلمت. اتعلمت إن التضحية لما بتقدمها لناس مبيقدروش، بتتحول ل واجب، والواجب بيتحول ل حق مكتسب، ولما تقصر فيه تبقى عالة.
أنا دلوقتي مش كركوبة.. أنا الست هانم اللي استردت عمرها في الوقت الضايع. البحر قدامي واسع، وقلبي أوسع، والماضي؟ رميته في الموج ومستنتش أشوفه وهو بيغرق.
تمت

تم نسخ الرابط