شفت مراتي
بصوا لي كلهم كأني اتجننت.. وكأن الجبل اتهز من مكانه!
السكوت اللي ساد الصالة كان مرعب، لدرجة إن صدى صوتي كان لسه بيرن في ودني. أخواتي التلاتة اتسمروا مكانهم، "إيمان" سابت الموبايل من إيدها وبصت لي بذهول، و"لبنى" فتحت بقها وكأنها شافت كائن فضائي، أما "شيرين" فوشها احمر من الغل وقالت بصوت حاد:
"أنت بتكلم (إحنا) كدة يا رامي؟ عشان خاطر مين؟ عشان واحدة م كملتش معانا تلات سنين؟ إحنا اللي شيلناك على كتافنا بعد أبوك!"
هنا خرجت "هناء" من المطبخ وهي بتترعش، والدموع مغرقة وشها، وحاولت تمسك إيدي وهي بتهمس: "خلاص يا رامي.. م حصلش حاجة، أنا كويسة والله، بلاش تعمل مشكلة."
بصيت لهناء، وشفت في عينيها الخوف والذل اللي كانت عايشة فيه السنين دي كلها بسببي، وقررت إن الليلة دي مش هتعدي بالساهل.
المواجهة الكبرى
التفت لأخواتي وقلت بصوت أهدى بس أقوى بكتير:
"أيوة بكلمكم كدة.. وبكلمكم كأخوكم اللي بيحبكم بس مش هيسمح بظلم بيحصل قدام عينه. إيمان، إنتي بترجعي من شغلك ترمي شنطتك وتستني هناء تجيب لك كوباية الشاي لحد عندك. وشيرين، إنتي ولادك بيقلبوا البيت زبالة وهناء هي اللي بتمسح وراهم وهي مش قادرة تفرد ضهرها. ولبنى، إنتي بتنتقدي أكلها وهي واقفة تطبخ لك وإنتي قاعدة بتتفرجي على التلفزيون."
لبنى زعقت: "ده بيت أمنا! وهي اللي معودانا إننا نخدم بعض!"
رديت عليها: "تخدموا بعض؟ إمتى آخر مرة حد فيكم شال طبق من قدامه؟ إمتى آخر مرة سألتوا هناء (إنتي قادرة تطبخي النهاردة)؟ إحنا م بنخدمش بعض، إحنا (بنستعبد) إنسانة طيبة عشان هي م بتعرفش ترد.. وأنا كنت (نص راجل) لأني كنت بشوف ده وبسكت عشان م أزعلكمش."
رد الفعل الأقوى: "الحاجة مارجريت"
في اللحظة دي، أمي "الحاجة مارجريت" قامت من مكانها ببطء وهيبة. الكل سكت تماماً، وأخواتي استنوا إنها تديني "القلم" اللي يرجعني مكاني، أو تطرد هناء من البيت.
أمي قربت مني، بصت في عيني قوي، وبعدين لفت وبصت لـ "هناء" اللي كانت واقفة في الركن بتعيط. أمي مشت ناحية المطبخ، وبصت لجبل المواعين، وبصت للكوباية المكسورة في الحوض.
لفت لبناتها التلاتة وقالت بصوت هادي ومزلزل:
"رامي عنده حق.. والذنب ذنبي أنا قبلكم."
أخواتي اتصدموا: "ماما! إنتي بتقولي إيه؟"
أمي كملت بوجع: "أنا اللي ربيتكم إنكم ملكات والبيت كله يخدمكم عشان أعوضكم عن فقد أبوكم، ونسيت أربي فيكم إن (بنت الأصول) هي اللي تشيل شيلة غيرها لما يتعب. أنا شفت (هناء) وهي بتدبل قدامي، وقلت لنفسي (ده طبع ستاتنا بيتحملوا)، بس نسيت إن هناء رقيقة م تستحملش اللي إحنا استحلناه. رامي النهاردة م كسرش كلمتكم، رامي النهاردة (بقى راجل) بجد."
التغيير الجذري
أمي بصت لإيمان وشيرين ولبنى وقالت بلهجة آمرة مفيهاش رجوع:
"من اللحظة دي، المطبخ ده م عتبوش هناء لحد ما تقوم بالسلامة. إيمان، إنتي هتغسلي المواعين دي دلوقتي. وشيرين، إنتي ولبنى هتلموا الصالة وتجهزوا العشا.. وهناء هتدخل أوضتها ترتاح، ورامي هيدخل يراعي مراته."
أخواتي حاولوا يعترضوا، بس نظرة أمي كانت كافية تسكتهم. إيمان دخلت المطبخ وهي مكسوفة، وبدأت تغسل المواعين وهي باصة في الأرض.
النهاية
أخدت هناء في حضني ودخلنا أوضتنا. قعدتها على السرير، وقلعت لها الجزمة، وغسلت لها رجليها بمية دافية وأنا بتأسف لها على كل لحظة وجع عاشتها بسببي.
هناء بصت لي بابتسامة صافيه وقالت: "أنا م كنتش محتاجة غير إنك (تشوفني) يا رامي.. والنهاردة أنا شفت جوزي وسندي اللي كنت بحلم بيه."
من الليلة دي، نظام البيت اتغير تماماً. الحاجة مارجريت بقت هي اللي بتوزع المهام على بناتها، وهناء بقت هي "نوارة البيت" اللي الكل بيراعيها. وعرفت وقتها إن "الرجولة" مش إنك تفرض رأيك، الرجولة إنك تكون "الحيطة" اللي بتسند عليها شريكة حياتك لما الدنيا والناس يجوا عليها.
العبرة: اللي يسكت على ظلم مراته في بيت أهله، بيخسر احترامه لنفسه قبل ما يخسرها.. والبيت اللي م يرحمش الضعيف، م يستاهلش الستر.