بنت صغيرة

لمحة نيوز


هو فقط
ثلاث ثوان يتقاربا الطرفان في تأهب ...
ليتصادما مرة واحدة بينما يرخي رزق ذراعيه و قبضتيه تماما تاركا خصمه ينال منه كما يشاء.. حتى أنه سمح له برفعه في الهواء و إلقائه أرضا بقسوة.. تم كل هذا بارادته و كأنه كان يستعذب المعاناة و اللكمات التي أصابت وجهه
لعل الشمس كانت تعمي عينيه قليلا إلا إن ذلك لم يمنعه من رصد وجه أبيه.. حيث كان يقف في شرفة منزلهم الكبيرة بين العائلة... جميعهم قد أطلوا ليشاهدوا البطل
بطل !
كيف يكون بطلا و هو في هذا الوضع !!!
على كل... لم يستمر طويلا.. بعد أن أخذ رزق كفايته من الضربات المنشودة... أطلق صيحة كأنما هي زئيرا آدميا.. كانت بمثابة الدفعة التي مكنته بسهولة من ركل الخصم في بطنه ليتراجع الأخير للخلف منكفأ على ظهره
ينتصب رزق الآن قائما بقامته الضخمة.. بينما ينهض الخصم مستعدا لإنهاء الجولة الأولى لصالحه
و لكن هيهات !
ها هو رزق يبتسم له بعذوبة وديعة و هو ينظر بعينيه مباشرة... لا يمنح تلك الابتسامة لأحد عبثا.. قلما يبتسم أصلا.. و كثيرا ما يسقط الضحايا !!!
يشعر بموجة من الأدرنالين تندفع بشرايينه لحظة التصادم الثان... مارس رزق عليه السحب بأنواعه و الرفع بأنواعه و لعله أثناء تسديد بعض اللكمات
و بعد مناورات و خطف سرعان ما إنتابه الملل.. فقرر أن ينهي اللعبة الآن
في كلتا الحالتين كان الخصم قد إنتهى..... ليصطدم به رزق مرة أخيرة.. يرفعه فوق كتفيه العريضين في وضعية القوس و يدور به في الهواء
ثم أخيرا يسقطه فوق الحلبة بعنف قضى على بقايا وعيه فيصيح رزق بغلظة و هو يرفع قبضته الحديدية لأعلى معلنا إنتهاء اللعبة و الفوز لصالحه و من الجولة الأولى
حوله الحشد الغفير من قاطني المنطقة و المناطق المجاورة يصرخون و يللهون باسمه.. الجميع يحتفي به حتى أن البعض صعد إلى الحلبة ليحملونه فوق أكتافهم... لكنه لم يكن يعبأ و لا ينظر إلا صوب نقطة معينة
في ذلك المكان المرتفع قبالته حيث لا يزال والده يقف إزداد زهوا و غرورا عندما رآه يشمله بنظرات الفخر و الاعتداد ...
ضربة المعلم بألف !
ما يجبها إلا رجالها يا زوز !
كانت تلك الكلمات الاحتفالية التي سمعها رزق من فم أخيه الصغير و إبن عمه و صديقه المقرب علي إمام الجزار 
تركهم بغرفته و سارع نحو الحمام ليغتسل بسرعة و يلحق بميعاد العمل الذي كلفه به أبيه.. لكنه خرج نظيفا و لامعا كعادته
ارتدى ملابسه المؤلفة من سروال جينز غامق و قميصا فاتح محلول الأزرار من الأعلى.. مشط شعره للخلف و نثر عطره المفضل بغزارة.. و أخر شيء ليكمل هندامه علق قلادته الثمينة المصنوعة من الذهب الأبيض في عنقه و أرفق إلى معصمه الأيسر ساعته الذكية باهظة الثمن التي تتيح له قراءة ضغطه أحيانا و ما إذا تسارعت خفقات قلبه تطلق إنذارا لتتبهه
كانت هذه طبيعته.. الاهتمام بنفسه و التأنق كما تعود منذ صغره... لكن هذا كله ظنه البعض مفتعل لهدف الكيد فيهم.. و على رأسهم كان أخيه الأصغر منه بعامين.. و الذي هدف طوال عمره ليصير ندا له و لو أنه لا يبالي به مطلقا
لم يكن رزق أبدا سهل الإنقياض و لم يسمح لأحد طيلة مدة مكوثه هنا بأن يجره إلى الفخاخ.. كان يقظ و فطن.. فطن كما كان يصفه جده الباشا !
يغادر رزق غرفته و يهبط للطابق الأرض ذلك الطابق الذي اختارته جدته المسنة كي ما تسكن فيه و تقضي به آخر أيام عمرها ...
كانت عادة لديه قبل أن يذهب لأي مكان خارج البيت.. لا بد أن يدخل عندها أولا و يلقي نظرة عليها كنوع من أنواع الاهتمام و المودة الحقيقية التي يكنها لتلك السيدة جزء إحسانها إليه في طفولته و صباه فهي في وقت من الأوقات حلت بمكان أمه عليه الأقرار بأن في وجودها كانت مرارة حرمانه من والدته أخف وطأة عليه
جدته الرائعة الطيبة ...
دودي القمر ! .. صاح رزق و هو يطل برأسه عبر فتحة باب غرفتها
صاحية و لا نايمة يا نينة !!
كانت الغرفة مضاءة بنور شمس الظهيرة و كان السرير يقع بركن جانبي للغرفة.. قبل أن يتمكن من رؤيتها تماما وصله صوته المتحشرج 
رزق ! تعالى يا حبيبي. خش إنت محتاج أذني يابني. قولتلك إنت الوحيد إللي تدخل عليا و تخرج براحتك
إبتسم لها رزق و ولج ماضيا ناحيتها و هو يقول 
عاملة إيه يا نينة.. فطرتي و أخدتي الدوا و لا لسا !
بادلته جدته الابتسامة.. و تدعى دلال ...
كان يطيب لها الدلال كاسمها و كان هو بالأخص يدللها كما كان يعشق النظر بوجهها رقيق الملامح رغم التجاعيد و الوبر بالذقن

. سمع صوتها تاليا يجيبه 
أنا أول واحدة بصحى في البيت ده.. فطرت يا حبيبي و خت الدوا. تسلملي يا غالي
و رفعت كفها لتمسح على شعره و وجهه لعلها خربت تسريحة شعره.. لكن لا مشكلة.. لتفعل هي فقط ما تشاء ...
إنت روحت تشلفط وشك تاني يا رزق !
ضحك رزق من الملاحظة التي أبدتها و الطريقة نفسها ليجلس أمامه على طرف السرير قائلا 
روحت فين بس و شلفطت إيه يا دودي.. ده كان ماتش ملاكمة. لسا خلصان و كنت برا قصاد البيت
دلال
 

تم نسخ الرابط